حين تُصغي الريشة إلى الوجه… قراءة نقدية في تجربة الفنانة الشابة صفيّة تميم

  الأستاذة الباحثة آمال بن الطاهر الرسامة المبدعة الشابة

                                                                                   صفية تميم Safia Tamim

بعض إبداعات الشابة المتألقة صفية تميم:

حين تُصغي الريشة إلى الوجه

قراءة نقدية في تجربة فنانة شابة من أݣادير، وهي صفيّة تميم SAfia Tamim

طالبة بمؤسسة التميز بابن جرير

تمهيد: موهبة تكتب نفسها بالخط

ثمة موهوبون يقتحمون المشهد بضجيج المعارض، وآخرون يتسللون إليه بهدوء الماء إلى التربة، فلا تنتبه إليهم حتى ترى أثرهم في كل شيء.

أحسب أن صاحبة هذه الأعمال، وهي طالبة في التاسعة عشرة من عمرها قادمة من أݣادير، من الصنف الثاني؛ فمن يتأمل اثنتي عشرة لوحة ورسمة تجمع بينها يد واحدة يدرك سريعاً أن أمامه تجربة تتخلق أمام عينيه، لا هواية عابرة تقتات على النقل والمحاكاة.

ما يلفت في الوهلة الأولى هو اتساع المعجم.

فنحن لا نقف أمام فنانة تكرر صيغة واحدة وتتقنها حدّ الملل، بل أمام عين جائلة تتنقل بين التكعيبية والواقعية، وبين الكاريكاتير والبورتريه، وبين الفحم والحبر والباستيل والقلم الملوّن.

وهذا التنقل، في سن مبكرة كهذه، لا يدل على التشتت كما قد يظن المتعجلون، بل على حالة اختبار منهجي للأدوات، يقوم بها كل فنان حقيقي قبل أن يستقر على نبرته الخاصة.

تحاول هذه القراءة أن تقف عند ملامح هذه التجربة، فتحلل خطها وبنيتها ونظرتها إلى الإنسان، وتتتبع ما يتبدى فيها من وعود فنية، من غير مجاملة فارغة ولا تشدد متعالٍ.

أولاً: الخط بوصفه سلطة

أول ما ينبغي قوله إن هذه الفنانة تملك خطاً. وأقصد بالخط هنا ما هو أبعد من الحدود التي تحيط بالأشياء؛ أقصد تلك الثقة التي تجعل الحبر يمضي في مسار واحد دون تردد يشي بالخوف.

انظر إلى رسمة الفتاة المعانقة للحصان عند السياج: إن الحبر الأسود يرسم انسياب الفستان في الريح بضربات قليلة واثقة، وكأن القماش نفسه يتنفس.

وفي الشعر المتطاير ما يشبه الإيماءة السريعة، تلك التي لا تُتقن بالتدريب وحده، بل بحدس يعرف متى يتوقف.

والأجمل أن هذا الخط لا يتصلب في موضع واحد. ففي الحصان نراه عريضاً ثقيلاً عند الرقبة والكتف حيث الكتلة، ثم يرق ويتشظى عند الأذنين والخصلات حيث الخفة. إنها مراعاة دقيقة لـ«وزن» الخط، وهو من أصعب ما يتعلمه الراسم، لأن الخط الواحد بسماكة واحدة يقتل الحياة في الشكل، بينما التفاوت المدروس يبعث فيه النبض.

وأما في رسمة البحّار ذي الغليون المنفذة بحبر أخضر داكن على ورق مائل إلى الزرقة، فيبلغ الخط ذروة تعبيرية؛ إذ تتحول اللحية إلى شلالات من الضربات المتوازية المتموجة، فتصير هي بطل اللوحة، وتصبح الملامح نفسها مجرد جزيرة صغيرة في بحر من الشعر.

وهنا يتجاوز الخط وظيفته الوصفية إلى وظيفة إيقاعية؛ فنحن لا «نرى» اللحية بل «نسمعها» تتدفق.

ولعل في اختيار الأخضر الداكن بدل الأسود ذكاءً لونياً خفياً، فهو يمنح الرسمة برودة بحرية تناسب موضوعها.

ثانياً: ذاكرة الحداثة في يد شابة

من أطرف ما في هذه المجموعة ذلك الوجه الأنثوي المبني بالخطوط الهندسية المتقاطعة، حيث تنقسم المساحة إلى مثلثات ومعينات وأقواس، وتتجاور فيه العين الأمامية مع تفاصيل الأنف والشفتين في منطق تكعيبي صريح. هنا تُظهر الفنانة أنها لا تخشى تفكيك الشكل ثم إعادة تركيبه، وهي مغامرة يتحاشاها كثير من المبتدئين لأنها تقتضي فهماً مسبقاً للشكل الذي سيُفكَّك؛ فلا يفكك إلا من يعرف كيف يُبنى.

والملاحظ أنها لم تقع في فخ التقليد الحرفي للمدرسة التي استلهمتها. فالتقاطعات عندها منضبطة، متوازنة، تكاد تكون موسيقية في هدوئها، والوجه يحتفظ بنعومة أنثوية رغم الصرامة الهندسية، وهو ما يمنح العمل شخصية خاصة. إننا أمام قراءة لا نسخ، وبين القراءة والنسخ مسافة هي بالضبط ما يفصل الفنان عن الحرفي.

وعلى النقيض من هذا الانضباط الخطي، تأتي لوحة المرأة ذات الفستان الأخضر الحاملة للإناء الأزرق أمام قرص أصفر ساطع على خلفية أرجوانية.

هذه لوحة لونية بامتياز، تتعامل مع اللون ككتلة عاطفية لا كوصف للواقع.

الأصفر والأرجواني ضدّان متكاملان يفجران الطاقة في السطح، والأزرق يتدخل ليهدئ الحرارة ويعيد التوازن.

وفي ظهر المرأة المصبوغ بدرجات النحاس والبرتقالي ما يذكّر بتقاليد التلوين الجريء التي تتحرر من الظل الأكاديمي.

إنها لحظة جرأة تستحق التنويه، لأن اللون الصريح امتحان لا يجتازه إلا من يثق بحسه.

ثالثاً: الإنسان محوراً، والوجه موطناً

إذا أردنا أن نلتقط الخيط الناظم الذي يشد هذه الأعمال المتباعدة أسلوباً، فهو الإنسان.

فمن أصل اثنتي عشرة عملاً، تدور الغالبية حول وجه أو جسد أو علاقة بين كائنين: امرأة وحصان، عجوز وطفل، قارئة ووحش، شيخ يتأمل، شيخ بحري يدخن.

وهذا ليس اختياراً عشوائياً؛ إنه ميل أصيل إلى ما يمكن أن نسميه «سردية الوجه»، أي الإيمان بأن الملامح تحمل حكاية.

ولعل أنجح تجليات هذا الميل رسمة الشيخ ذي القبعة والنظارتين. هنا تتخلى الفنانة عن الخطوط النظيفة لتشتغل بقلم الرصاص على التظليل المتدرج، فتصنع تجاعيد الجبهة وانطباق الجفنين وظلّ حافة القبعة على العينين.

إن الرأس منحنٍ قليلاً، والنظرة موجهة إلى الأسفل، فيتحول الرجل إلى كائن غارق في سكينته أو ذاكرته.

لا شيء يحدث في الرسمة، ومع ذلك فكل شيء حاضر. وهذا بالتحديد ما يعسر على الشباب: أن يجعلوا الصمت موضوعاً.

وتقترب من هذه الروح رسمة المرأة المسنّة التي تحتضن طفلاً بين ذراعيها.

هنا يتقدم الحنان على التقنية؛ فاليدان المتشابكتان حول الجسد الصغير مرسومتان بعناية تفوق عناية بقية العمل، وكأن الفنانة تدرك بالفطرة أن موضع العاطفة هو اليد.

وفي تدرج الرمادي الناعم، وفي الثنيات المنسدلة للثوب والغطاء، وقار بصري يليق بالموضوع.

كما أن الطفل، بوجهه المطمئن المسنود إلى الصدر، يؤدي دور بؤرة الدفء في عمل تغلب عليه البرودة الرمادية.

أما الوجوه المرسومة بإتقان تشريحي، كالرجل الملتحي المثبت على دفتر الرسم، ووجه الشيخ ذي الشعر المنفوش والنظرة الحالمة، فهي تثبت أن للفنانة قدرة على الإمساك بالشبه واللمحة، وعلى بناء الحجم بالضوء والظل: عين لامعة، وشعر متدرج الكثافة، ولحية تنتقل من الداكن إلى الفاتح كما تنتقل الغيوم. صحيح أن في هذه الأعمال ما يتطلب مزيداً من الجرأة في إخراجها من «الإتقان» إلى «الاكتشاف»، غير أن الإتقان نفسه ثمرة نادرة في هذه السن.

رابعاً: الحيوان والطبيعة: شاعرية الحركة

من أمتع فصول هذه التجربة اشتغالها على الحصان، الذي يظهر مرتين وبمزاجين مختلفين.

في الأولى، حصان يمدّ عنقه ليلامس وجه فتاة، في مشهد حميم يكاد يبلغ حدّ الصلاة الصامتة، والتقابل بين الرأسين بنيوي الدلالة: انحناءتان تتجاوبان كقوسين تشكلان دائرة. وفي الثانية، حصان بلون ترابي ذهبي يقفز فوق جذع شجرة، وقد رُسمت عضلات صدره وساقيه المرفوعتين بمعرفة واضحة ببنية الحيوان، مع شعور حقيقي بالتجمد في لحظة القفز. ويُحسب للفنانة أنها لم تترك الحصان معلقاً في فراغ، بل أحاطته بسياج وأشجار وسماء بغيوم مسطحة لطيفة، فاتزن المشهد بين الحركة والسكون.

يلفت النظر في استعمال القلم الملوّن هنا اقتصادٌ في الألوان وتجانس في الدرجات: الأخضر في الأشجار متدرج، والبني في الجذع مشبع بما يكفي ليبدو خشباً، والعشب مغسول بلمسات صفراء وخضراء توحي بضوء نهارٍ صافٍ. هذه تفاصيل صغيرة، لكن الفن الجيد يُصنع منها.

أما رسمة الظبي الصغير ذي العين الواسعة، فهي قصيدة من الرقة؛ العين الكبيرة اللامعة المحاطة بأهداب قاتمة تستولي على المشهد، والفرو المتدرج من البرتقالي الباهت إلى الأصفر يمنح الرسم حرارة ضوء الغروب. والتوقيع الصغير بالزاوية، بخط أنيق، يدل على فنانة تعتز بما تصنع، وذلك في ذاته علامة نضج.

خامساً: الكاريكاتير وروح الدعابة

لا تكتمل صورة فنان من غير أن نطّلع على ضحكته. وفي هذه المجموعة نجد المرأة العجوز الغاضبة، واضعة يديها على خصرها، بأنفها المعقوف وحاجبيها المقطبين ومريلتها الأرجوانية.

هي شخصية تنضح بالحيوية، والفنانة هنا تتعامل مع الجسد بمنطق الكاريكاتير: كتلة ثقيلة عند الخصر، وكتفان منحنيان، وقدمان في صندلين خشبيين تشبثان بالأرض. تلوين الثوب بتدرجات الأزرق والوردي والأرجواني يمنح المساحات رقة تتناقض بلطف مع عبوس الوجه، فيتولد من هذا التناقض الطرافة.

كذلك في مشهد الجميلة والوحش، حيث الوحش يحمل برجاً من الكتب ويحيطه الظلال بينما الجميلة منهمكة في القراءة. إن الفنانة تفهم هنا لعبة الأحجام: وحش ضخم وفتاة صغيرة، وبرج الكتب الشاهق فوقهما كعمود تنتظم حوله التركيبة.

وهذه ليست رسمة نقل فحسب؛ إنها إعادة تنظيم لعناصر معروفة في فضاء متماسك، وهو مهارة تركيبية لا يُستهان بها.

سادساً: ما بين السطور: ملاحظات نقدية من أجل النمو

ليس من الإنصاف أن تقتصر القراءة على الإشادة، فالفنانة تستحق ناقداً يؤمن بمستقبلها حدّ الصراحة.

وأول ما يمكن قوله إن تنوع الأساليب، على جماله، ينتظر لحظة تتحول فيها الأساليب من «تجارب» إلى «نبرة». فنحن نشعر بيد واحدة، لكننا لا نشعر بعد ببصمة واحدة تُعرف من بعيد. وأعتقد أن الجواب كامن فيما تتفوق فيه حقاً: لقد أظهرت أن أقوى لحظاتها حين تجمع بين الخط الحر والحنان الإنساني، كما في الفتاة والحصان وفي الأم والطفل. فعليها أن تتبع هذا الدرب.

ثانياً، في بعض الأعمال الملونة تبدو التدرجات حذرة قليلاً، كأن اليد تخشى الإفراط في التشبع.

واللوحة ذات الفستان الأخضر تبين أن لديها شجاعة لونية كامنة؛ فلتُطلقها في أعمال أخرى. والشجاعة هنا لا تعني الضجيج، بل تعني الثقة بأن اللون الكامل لا يفسد شيئاً.

ثالثاً، تحتاج الخلفيات في بعض الرسوم الرصاصية إلى حضور أكبر، فالفراغ المحيط بالشخصيات قد يكون عنصراً درامياً لا مجرد مساحة بيضاء.

إن الظلال الساقطة، والإضاءة الموجهة، والعمق الجوي، كلها أدوات قادرة على أن ترفع الأعمال الجيدة إلى مستوى الأعمال التي تُدهش.

ورابعاً، وهو الأهم: أن تنتقل الفنانة تدريجياً من استلهام الصور المألوفة، من الشخصيات الكرتونية المحبوبة والملامح المشهورة، إلى مصادر أقرب إليها: إلى وجوه أݣادير، وأسواقها، وبحرها، ونساء سوس وشيوخها، وضوئها المتوسطي الأطلسي المتفرد. إن أجمل ما يمكن أن يحدث لموهبة بهذا الحجم هو أن تكتشف أن أرضها هي أكبر موضوعاتها. فالفن العظيم دائماً ابن مكان ما.

سابعاً: موهبة في سياقها

ومما يزيد هذه التجربة قيمة أنها تنبت في فضاء دراسي لا يرتبط بالضرورة بالفنون. فطالبة تتابع دراستها في مؤسسة علمية بابن جرير، وتجد وقتاً لتسكب في الورق هذا القدر من الشغف والصبر، تذكّرنا بأن الفن ليس ترفاً هامشياً، بل ضرورة داخلية تحفظ توازن الروح في مواجهة صرامة الأرقام. والتاريخ يحفل بعلماء كانوا رسامين وبرسامين كانوا يقرؤون الهندسة؛ فالعين التي تحلل البنية تصلح لأن ترسمها، واليد التي تضبط الدقة تصلح لأن تحررها.

وفي المقابل، فإن هذه الأعمال، وهي تتناول وجوه الشيوخ والأمهات والأطفال والحيوانات، تحمل حساسية أخلاقية جميلة: ميلاً إلى الرفق، وإلى الاحتفاء بالضعف الإنساني، وإلى تكريم الكبار والصغار معاً.

وهذه الحساسية ليست تقنية تُكتسب، بل خُلُق يتسلل إلى الريشة. ومن هنا أقول إن أجمل ما في هذه التجربة هو أنها لا تتجمل: إنها صادقة.

خاتمة: الريشة التي تَعِد

لقد رأينا في هذه المجموعة فنانة تتقن الخط وتحترم الظل وتجرؤ على اللون، وتنتقل بخفة بين الجدّ والطرافة، وتؤمن بأن الوجه كتاب مفتوح. وهي، فوق ذلك، في التاسعة عشرة، أي أنها لا تزال في بداية الطريق الذي يمتد أمامها بعيداً. وأكثر ما يُطمئن الناقد أن عيوبها، إن صح أن نسميها عيوباً، هي عيوب البدايات الواعدة: حذر هنا، وتنوع يبحث عن مستقره هناك، وانتظار لحظة النضج الكاملة. أما المواهب الفقيرة فتعيبها الرداءة المطمئنة، وليس هذا شأن صاحبتنا.

إن الفن، في نهاية المطاف، سؤال عن الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، وهذه الفنانة الشابة تنظر إليه بعين تحب ما تراه، ويد تعرف كيف تحفظه.

فإذا واصلت الاشتغال والقراءة والمشاهدة، وإذا أصغت إلى أرضها كما أصغت إلى الوجوه، فلن يطول الزمن حتى تصير ريشتها، لا مجرد وعد، بل علامة يُشار إليها.

فلتمضِ إذن، ولتحفظ هذا الصدق الذي يسكن خطوطها؛ فهو أثمن ما تملك، وهو ما لا يُعلَّم في أي مرسم.

                                                                                      الأستاذة الباحثة: آمال بن الطاهر

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*