الأستاذ حسن عمامر..من اليُتم إلى اليُسر… سيرة رجلٍ علّم الحروف أن تكون وفاء

الأستاذ حسن عمامر..من اليُتم إلى اليُسر… سيرة رجلٍ علّم الحروف أن تكون وفاء.

كتبها: أحمد رحمون

وُلد الأستاذ حسن عمامر سنة 1957 بالقنيطرة، المدينة التي فتحت له عينيه على أول أبجديات الحياة والمعرفة. هناك، في المدرسة العتيقة التي تحمل اليوم اسم مدرسة مولاي رشيد، بدأ خيط الحكاية؛ خيط اللغة العربية الذي لم ينقطع أبداً.

بين جدران تلك المدرسة تشكّلت البذرة الأولى لحب الضاد، على أيدي معلمين أجلاء ما زالت أسماؤهم حيّة في الذاكرة: سي كرامي، سي المسعودي، وسي العرايشي… أسماء لم تكن مجرد أساتذة، بل أوتاداً أولى غرست في روحه احترام الكلمة وجلال المعنى.

انتقل بعد ذلك إلى إعدادية المعتمد بن عباد، حيث لم يعد حب العربية ميلاً عابراً، بل صار شغفاً واعياً، غذّاه أستاذان متميزان: الدواخ والتاغموتي.

غير أن القدر كان يُعدّ له امتحاناً قاسياً؛ فوفاة الأم الحبيبة ستفرض عليه الرحيل المبكر عن القنيطرة، عن الحي ورفاق الطفولة، إلى العاصمة الإسماعيلية مكناس.

هناك، واجه اليُتم وغربة المكان، لكنه اختار أن يحوّل الألم إلى وقود، والعزلة إلى اجتهاد.

في مكناس، وداخل أسوار الإعدادية والثانوية، برز التلميذ الهادئ المثابر، المتعلق بلغة القرآن، المتأثر بأساتذة كبار أمثال حميد الحميداني وعبد الكريم الواطي، وقبلهم الأستاذ الحدادي.

وفي ثانوية عبد الرحمن بن زيدان بحي سيدي بابا، كان واحداً من ألمع تلامذتهم، ينسج علاقته بالكلمة بوعي مبكر ومسؤول.

سنة 1978، سيحلق الأستاذ حسن عالياً نحو فاس، ملتحقاً بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سيدي محمد بن عبد الله، حيث اختار شعبة اللغة العربية اختيار العارف لا المتردد. هناك، نهل من معين كبار أساتذة الجامعة: المرحوم الدكتور عبد الله الطيب، مفخرة السودان في الأدب القديم، الذي شرّف الدروس الحسنية للملك الراحل الحسن الثاني، والدكتور فخر الدين قباوة، والدكتور المومني في النحو، والدكتور السرغيني في الرواية، والكبير حسن المنيعي في المسرح.

كانت تلك السنوات صياغة عميقة للعقل والذائقة، لا مجرد تحصيل جامعي.

حصل على الإجازة سنة 1982، ليُعيَّن أستاذاً في إطار الخدمة المدنية بإقليم ميسور – بولمان، بثانوية ميسور المختلطة، حيث قضى ست سنوات من العطاء.

بعدها انتقل إلى الثانوية الجديدة بمدينة الرماني، التي ستُعرف لاحقاً بالثانوية التأهيلية عبد الرحمن زكي.

هناك، سيكتب أطول فصول مسيرته: ثلاثون سنة من التعليم، والتربية، والحضور الإنساني، إلى أن تقاعد سنة 2017.

في الرماني، لم يكن الأستاذ حسن مجرد مدرس لغة عربية، بل كان واحداً من أبنائها.

أحب المدينة وأهلها وطبيعتها، ودافع عن حقها في التنمية والإنصاف، مؤمناً بأن منطقة غنية باسمها وتاريخها: زعير، تستحق ما هو أفضل.

دعا أبناءها إلى تجاوز الخلافات السياسية، وتوحيد الصفوف، لأن القضايا الكبرى – في نظره – لا تُربح إلا بالجماعة.

عُرف وسط أهل الرماني بذماثة الخلق، وخفة الروح، والذوق الرفيع.

كان حضوره يشيع الطمأنينة، وحديثه لا يخلو من ابتسامة ذكية أو نكتة رصينة.

خارج قاعات الدرس، ظل قلبه معلقاً بالملاعب والموسيقى؛ عاشقاً للنادي القنيطري لكرة القدم، ومولعاً بسحر ريال مدريد، ومُصاباً بعدوى الطرب الأصيل مع أغاني أم كلثوم، كوكب الشرق التي تشبهه في وقار الإحساس وخلود الأثر.

إنه بورتريه رجل آمن بأن التعليم رسالة، وبأن اللغة العربية ليست مادة تُدرَّس، بل روح تُورَّث… رجل مرّ بهدوء، لكنه ترك في القلوب والذاكرة أثراً لا يهدأ.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*