رفض تأشيرة البرهان.. هل ضاقت واشنطن “ذرعا” من إصرار بورتسودان على استمرار الحرب؟
سياسي: الرباط
على ما يبدو أن تعامل المجتمع الدولي مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بدأ يميل إلى التصعيد، في ظل إصرار بورتسودان على خيار الحسم العسكري، ورفض جميع جهود السلام.
ويشهد السودان منذ منتصف إبريل 2023، حرب بين الجيش والدعم السريع، تسببت في مقتل عشرات الآلاف، فيما تقول الأمم المتحدة، إن الحرب أجبرت نحو 14 مليون شخص على النزوح.
التصعيد على المستوى الدولي ضد البرهان، بدأ حين رفضت الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول قبل ظهوره المزمع أمام الأمم المتحدة خلال الدورة 81 للجمعية العامة ، وذلك في خطوة تقول مصادر سودانية ومصادر أخرى إنها مرتبطة باقتراح وقف إطلاق النار الذي تدعمه الولايات المتحدة وتعارضه الخرطوم.
ويهدد هذا الخلاف، الذي أوردته رويترز لأول مرة، بتأجيج التوتر بين واشنطن والجيش السوداني في لحظة حاسمة من الحرب الأهلية التي تصفها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم.
وقالت مصادر إن واشنطن وجهت خطابًا رسميًا إلى البرهان، طلبت فيه الموافقة على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر دون شروط مسبقة، وربطت إصدار تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة بهذا الاتفاق، وهو ما رفضه الأخير.
ضغوط سياسية ودبلوماسية
المحلل السياسي السوداني آواب عزام البوشي، يقول أن عدم منح البرهان تأشيرة دخول البلاد، “يطرح سؤالًا محوريًا: هل انتقلت واشنطن فعليًا من موقع الوسيط إلى موقع المهندس لإسقاط حكومة بورتسودان؟”
لم يمر قرار واشنطن دون تحليلات من الخبراء الأمريكيين أنفسهم.
فقد قال كاميرون هدسون، الدبلوماسي الأمريكي والمسؤول السابق في البيت الأبيض والخبير في الشؤون السودانية، إن قرار احتجاز التأشيرة يُعد “خطوة شبه غير مسبوقة” تحمل دلالات سياسية خطيرة.
غير أن الجوهر الأهم في تحليل هدسون هو تأكيده أن واشنطن اتخذت قرارًا فعليًا بعدم الاعتراف بمجلس السيادة السوداني أو برئيسه كممثل مؤقت يشغل مقعد السودان في الأمم المتحدة.
ويضيف هدسون أن هذا الموقف “يضع واشنطن على مسار مختلف عن موقف الأمم المتحدة ومعظم الدول، بما فيها الدول الأفريقية”.
هذا التحول لا يمكن قراءته إلا في إطار استراتيجية إسقاط النظام، وليس مجرد الضغط الدبلوماسي بحسب آواب.
وأضاف: “فحين تنتقل واشنطن من محاولة التأثير على سلوك الحكومة إلى إنكار شرعية تمثيلها في المحافل الدولية، فهي بذلك تعلن عمليًا أن التعامل مع حكومة بورتسودان كسلطة أمر واقع لم يعد خيارًا مطروحًا.”
شراكة مع للسلام فقط
وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا أعلنت فيه صراحة أن “لا القوات المسلحة السودانية ولا قوات الدعم السريع ولا قياداتهما تمثل سلطة شرعية ودستورية في السودان، إذ إنها تحكم بقوة السلاح وحدها”.
ولكن اللافت في الأمر، هو ما نقلته “أفريكا إنتليجنس”، هي إعلان واشنطن استعدادها للتعاون مع “أي شريك جدي” من أجل السلام في السودان.
هنا يبرز سؤال جوهري: من هو “الشريك الجدي” في نظر واشنطن؟
وبهذا الخصوص، يقول آواب، إن “الأمر الواقع يقول إن قوات الدعم السريع أعلنت مرارًا قبولها بالهدن والمبادرات، بينما يرفض البرهان أي هدنة لا تتضمن انسحابًا كاملًا للدعم السريع من المناطق التي سيطرت عليها.
وبالمثل، تعلن قوى سياسية مدنية مثل “صمود” (التحالف المدني للقوى الثورية) عن رغبتها في السلام، وقد دعت صراحة إلى وقف التدخل الخارجي في السودان.
فإذا كانت واشنطن “مستعدة للتعاون مع أي شريك جدي”، فهل يعني ذلك عمليًا أنها ستعمل مع الدعم السريع عسكريًا ومع قوى “صمود” سياسيًا لإسقاط حكومة البرهان؟”
وتابع: “ما يجري اليوم في العلاقات الأمريكية السودانية ليس مجرد خلاف دبلوماسي حول تأشيرة أو هدنة.
إنه اختبار حقيقي لما إذا كانت واشنطن قد قررت فعليًا التخلي عن التعامل مع حكومة بورتسودان كشريك في أي تسوية سياسية، والانتقال إلى استراتيجية “تغيير النظام” عبر أدوات سياسية وقانونية ودبلوماسية.
مؤشرات هذا التحول واضحة: حجب التأشيرة، تجريد الشرعية، دعم البديل المدني، والتلويح بالعقوبات.”
رسالة واضحة
ومن جهته يقول رئيس تجمع قوى تحرير السودان الطاهر أبو بكر حجر، إن رفض منح قائد الجيش تأشيرة المرور، يعدّه “رسالة سياسية ودبلوماسية بالغة الوضوح، مفادها أن الإصرار على الخيار العسكري ورفض مبادرات السلام لا ينبغي أن يقابلا بالمكافأة أو الامتيازات الدبلوماسية.”
وأضاف أنه “آن للمجتمع الدولي أن يتجاوز الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة، وأن يتخذ مواقف أكثر حزماً تجاه من يعرقلون مسارات السلام ويطيلون أمد الحرب، ولا سيما في ظل الاتهامات الخطيرة المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية والتعاون مع جهات مصنفة إرهابية.”
ودعا إلى تحقيقات دولية مستقلة وشفافة، وإلى مساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات، أياً كان موقعه أو صفته.
ونأمل أن تتبع هذا القرار قرارات ومواقف دولية أكثر حزماً، تُسهم في وقف الحرب وحماية المدنيين ودفع الأطراف نحو سلام عادل ومستدام.
مسارات واشنطن ضد البرهان، بدأت بفرض عقوبات عليه خلال شهر يناير 2025، “بموجب أمر تنفيذي على أشخاص يزعزعون استقرار السودان ويقوضون الانتقال الديمقراطي”.
وذكر البيان، أنه “تم تصنيف البرهان، بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098، لكونه شخصًا أجنبيًا أو كان قائدًا أو مسؤولًا أو ضابطًا تنفيذيًا كبيرًا أو عضوًا في مجلس إدارة القوات المسلحة السودانية، وهي كيان شارك، أو شارك أعضاؤه، في أعمال أو سياسات تهدد السلام والأمن أو الاستقرار في السودان”.
وأشار إلى أن “القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان ارتكبت هجمات مميتة على المدنيين، بما في ذلك غارات جوية ضد البنية التحتية المحمية؛ بما في ذلك المدارس والأسواق والمستشفيات”.
إثارة الملف الكيميائي دوليا
وخلال شهر مايو من عام 2025، فرضت عقوبات على السودان بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية، مشددة على أن الجيش بموافقة البرهان، استخدام هذي الأسلحة المحظورة دوليا، خلال الحرب الجارية.
كما أثارتها أمام الدورة الـ112 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، المنعقدة في لاهاي خلال شهر يوليو الماضي، وقالت إن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيماوية، خلال عام 2024، معتبرة أنها لا تزال في حالة عدم امتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية خلال عام 2025.
وأضافت أنها توصلت، بعد «تحليل فني صارم ومستقل»، إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيماوية خلال عام 2024، وأنها ظلت في حالة عدم امتثال خلال عام 2025.
وقدّمت بورتسودان، تحقيقًا وطنيًا خلص إلى عدم العثور على أدلة تثبت استخدام الأسلحة الكيميائية.
وقد رفضت الولايات المتحدة اعتبار الآلية الوطنية بديلًا عن التحقق الدولي المستقل.
والسودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999، يعتبر استخدام المواد الكيميائية السامة كسلاح انتهاكًا لالتزامات السودان الدولية.
