حزب العزوف يكتسح الانتخابات
كتبها: فيصل مرجاني
لا أعتقد أن نتائج الانتخابات تتيح، في هذه المرحلة، مجالاً للتعليق من زاوية تقييم الأحزاب التي تصدرت النتائج أو تلك التي تراجعت، فالنتائج الانتخابية، في نهاية المطاف، تعبير عن إرادة من مارسوا حقهم في التصويت، وهذه الإرادة تظل واجبة الاحترام بصرف النظر عن اختلافنا الفكري أو السياسي مع الاختيارات التي أفرزتها صناديق الاقتراع، كما أن تقييم أي حزب أو تحالف لا ينبغي أن يتم قبل أن يتسلم المسؤولية ويدخل فعلياً في مرحلة تدبير الشأن العام؛ فالمعيار الحقيقي هنا لا يكمن في عدد المقاعد التي حصل عليها، وإنما كيفية تحويل تلك الشرعية الانتخابية إلى ممارسة مؤسساتية وسياسات عمومية ونتائج قابلة للقياس.
فالمسألة الأكثر إثارة للانتباه، في تقديري، ليست في من تصدر ومن تراجع، وإنما في مستوى المشاركة السياسية والانتخابية، فضعف المشاركة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رقم إحصائي في محضر النتائج، بل باعتباره مؤشراً سياسياً ومؤسساتياً يستحق القراءة والتحليل، ولا يمكن اختزال هذه الظاهرة في عامل واحد؛ فهي ترتبط، من بين ما ترتبط به، بتراجع الثقة في الوساطة الحزبية، وباتساع الاعتقاد لدى جزء من المواطنين بأن الانتخابات لا تنتج بالضرورة تغييراً يتناسب مع حجم انتظاراتهم، فضلاً عن تنامي قناعة لدى فئة أخرى بأن المشاركة الانتخابية أصبحت، في بعض الحالات، مجرد إنفاق للوقت والمال في منظومة لا تقدم لهم ما يكفي من المبررات للمشاركة فيها.
من هنا تبرز إشكالية أكثر عمقاً تتعلق بوظيفة الأحزاب السياسية نفسها.
فالحزب في النظام الديمقراطي ليس فقط مجرد آلة انتخابية تظهر قبل موعد الاقتراع ثم تختفي بعد إعلان النتائج؛ بل يفترض أن يكون مؤسسة للوساطة السياسية، والتأطير، وإنتاج النخب، وصياغة البدائل، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى برامج وسياسات عمومية، وعندما تفشل الأحزاب في أداء هذه الوظائف، يصبح من الطبيعي أن تتسع المسافة بينها وبين المجتمع، وأن يتحول العزوف من مجرد موقف فردي إلى ظاهرة سياسية تستحق المساءلة.
كما أن هناك عاملاً آخر لا يمكن تجاهله في تفسير ضعف نسبة المشاركة: فئة واسعة جداً من المواطنين تشعر بقدر كبير من الطمأنينة والراحة السياسية بفضل وجود المؤسسة الملكية، باعتبارها ضامناً لاستمرارية الدولة وراعياً للتطلعات الكبرى للمجتمع، بما يجعل نتائج التنافس الحزبي أقل ارتباطاً، في نظر هذه الفئة، بمصير الدولة أو بمصالحها الأساسية، ولذلك قد لا ترى في المشاركة الانتخابية ضرورة ملحّة؛ شاركت أو لم تشارك، وفاز هذا الحزب أو ذاك، تبقى لديها قناعة بأن هناك مؤسسة ترعى استقرار الدولة وتطلعاتها الكبرى.
وهنا تكمن إحدى مفارقات المشهد: قد يكون المواطن مطمئناً إلى الدولة، لكنه غير مقتنع بجدوى المشاركة الحزبية؛ واثقاً في استمرارية المؤسسات، لكنه غير واثق في قدرة الأحزاب على إحداث الفارق، وعليه، فإن انخفاض المشاركة لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره عزوفاً عن السياسة، بل أيضاً باعتباره مؤشراً على ضعف قدرة الأحزاب على جعل المواطن يشعر بأن صوته الانتخابي ضرورة فعلية ومؤثرة في حياته السياسية.
والأكثر دلالة هو التناقض الذي يطبع جزءاً من الخطاب الحزبي والنخبوي: حداثة في التسمية، ومحافظة في الممارسة؛ ليبرالية في الخطاب، وانتقائية في التعامل مع قواعد المنافسة؛ واشتراكية في الاسم، وتردد في ترجمة مبادئ المناصفة والعدالة الاجتماعية إلى ممارسة سياسية واضحة، الإشكال هنا ليس في اختلاف المرجعيات، فهذا أمر طبيعي في أي نظام تعددي، وإنما في التناقض بين المرجعية المعلنة والممارسة الفعلية، وحين تصبح الهوية السياسية مجرد لافتة انتخابية لا تنعكس على السلوك والمواقف، فإننا لا نكون أمام تعدد حقيقي في المشاريع، وإنما أمام تعدد في العناوين.
وفقا لهذه الزاوية تحديداً، يصبح من الصعب تحميل المواطن وحده مسؤولية العزوف.
فالأحزاب والنخب السياسية مطالبة أولاً بأن تسائل قدرتها على الاستقطاب والتأطير والإقناع، فالمواطن الذي لا يجد في الخطاب السياسي ما يعبّر عن انتظاراته، ولا يجد في البرامج المعروضة ما يقنعه بجدوى مشاركته، ولا يرى في بعض الممارسات الحزبية ما يعزز ثقته في المؤسسات، لا يمكن اختزال موقفه في عبارة «عزوف انتخابي» وكأن المسؤولية تقع عليه وحده.
بل إن المفارقة أن العزوف قد يؤدي، عملياً، إلى نتيجة معاكسة لما يتصوره بعض الممتنعين عن التصويت: فهو لا يضمن معاقبة الأحزاب التي فقدوا الثقة فيها، وإنما قد يترك المجال أكثر اتساعاً لمن يمتلك قدرة تنظيمية وانتخابية أكبر على تعبئة الكتلة التي تشارك.
وبالتالي فإن ضعف المشاركة لا يخدم بالضرورة المواطن، بل قد يعيد إنتاج موازين القوى نفسها في ظل مشاركة محدودة.
لهذا، فإن النقاش الحقيقي بعد هذه الاستحقاقات لا ينبغي أن يختزل في سؤال: من ربح ومن خسر؟ فهذه قراءة انتخابية ضيقة. السؤال السياسي الأعمق هو: لماذا لم تنجح المنظومة الحزبية، بمختلف مكوناتها، في تحويل المواطن من متلقٍّ للخطاب السياسي إلى فاعل ومشارك في إنتاج الاختيار السياسي؟ وهنا تحديداً تكمن مسؤولية الأحزاب والنخب، فالمقاعد يمكن الحصول عليها بآليات انتخابية مختلفة، لكن استعادة الثقة السياسية تحتاج إلى شيء أكثر تعقيداً: خطاب صادق، وتأطير مستمر، ونخب قادرة على إنتاج الأفكار، وبرامج قابلة للتنفيذ، وممارسة منسجمة مع المرجعيات التي تعلنها هذه الاحزاب.
