أزمة سبتة وقانون الأمن القومي: عندما تصبح “إدارة الأزمات”غطاءً للهروب من عمق المشكلة.
كتبها: جمال الدين ريان
في خطوة تنطوي على دلالات سياسية وأمنية بالغة الأهمية، ترأس بيدرو سانشيز اجتماعاً استثنائياً لمجلس الأمن القومي الإسباني (Consejo de Seguridad Nacional)، خَلُصَ إلى وضع مدينة سبتة تحت مظلة “وضع ذي مصلحة للأمن القومي”، وإنشاء قيادة موحدة لإدارة ما أُطلق عليه “المرحلة الثالثة” من الأزمة.
إن القراءة الناقدة لهذه القرارات تكشف عن تحول مفصلي في المقاربة الإسبانية، حيث يمتزج الشلل السياسي برغبة جامحة في الاستعراض الإداري.
أولاً: الحشد البيروقراطي كبديل عن الحل السياسي
إن تفعيل قانون الأمن القومي ونقل إدارة الأزمة إلى “قيادة موحدة” تحت إشراف وزير السياسة الترابية، أنخيل فيكتور توريس، يعكس بوضوح رغبة الحكومة المركزية في إضفاء طابع المؤسساتية الصارمة على التعاطي مع الملف.
بيد أن الانتقال إلى “المرحلة الثالثة” وتحديد أهداف من قبيل ترحيل غير المستحقين وحماية القاصرين وطالبي اللجوء، ليس سوى إعادة إنتاج للالتزامات القانونية والإنسانية الأساسية الصريحة، ولكن في قالب “استثنائي”. إن عجز مدريد عن حسم جذور الأزمة السياسية والجيوسياسية يجعل من تفعيل هذا المستوى الاستثنائي للتنسيق مجرد “حزمة هندسية” لمواجهة أعراض المشكلة لا أسبابها.
ثانياً: معضلة سبتة بين البُعد المحلي والضغط الإقليمي
الهدف المعلن المتمثل في “إعادة الوضع الاجتماعي والاقتصادي والأمني في سبتة إلى طبيعته” يواجه واقعاً سوسيولوجياً واقتصادياً بالغ التعقيد.
فسبتة ليست مجرد نقطة جغرافية تتأثر بأزمة عابرة يمكن حلها بمرسوم حكومي؛ بل هي نقطة تماس حادة تتأثر مباشرة بالتوازنات الإقليمية، وسياسات الهجرة، وحدود الشراكة مع المغرب.
إن الاكتفاء بتعبئة الموارد البشرية والمادية الوطنية، وحتى الخاصة منها، دون صياغة رؤية استراتيجية طويلة الأمد لمستقبل المدينة الاقتصادي والحدودي، يقتصر على كونه “مسكناً موقتاً” لواقع يتطلب حلولاً جذرية.
ثالثاً: مخاطر تحويل الأزمات الإنسانية إلى ملفات أمنية
على الرغم من تضمين القرار فقرة صريحة تخص “حماية القاصرين وطالبي اللجوء”، فإن إدراج إدارة الترحيل والإعادة ضمن صلاحيات قيادة أمنية موحدة بموجب قانون الأمن القومي يحمل في طياته خطر اختزال البعد الإنساني في البعد الأمني المخاطر.
إن التوازن بين فرض سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان يظل الاختبار الحقيقي لأي حكومة تدعي الالتزام بالقيم الديمقراطية.
الخلاصة
إن الخطوات التي أعلنتها حكومة بيدرو سانشيز تمنح الإدارة حظاً أكبر من التنسيق والنجاعة الإجرائية، لكنها تظل خطوة في الاتجاه الأسهل: تأطير الأزمة تنظيمياً بدلاً من حلها سياسياً.
إن النجاح الفعلي للمرحلة الثالثة لن يقاس بمدى سرعة تعبئة الموارد أو إنشاء القيادات الموحدة، بل بقدرة مدريد على صياغة سياسة خارجية ومحلية متماسكة تجنب سبتة الوقوع مجدداً في حلقة الأزمات المتكررة.

