سوق الاستثمار في التزكيات الإنتخابية
كتبها: إدريس الأندلسي
سوق تشكل جزءاً من الاقتصاد غير المهيكل، و يمكن أن يتجاوز رقم معاملاتها ملياري درهم.
من يشتري التزكية ينتظر ربحا مضمونا و يضمن غسيلا ” سياسيا” للأموال التي قد يكون قد راكمها خارج القانون .
بحثت في معنى ” التزكية” فوجدت أن المعاجم اللغوية و الفقهية تصفها بأجمل للكلمات و أعمق الدلالات.
و يتسع المعنى ليربط التزكية ” بالتطهير و الإصلاح و الشهادة بالصلاح و العدالة و الإصلاح و الترشيح و الاختيار و النماء و الزيادة ” .
و لا تغفل المعاجم ما طرأ على التزكية من معان مختلفة، و جلها سلبي، في زمن التغيير الذي أصاب سوق الانتخابات.
و هكذا انتقلنا من سمو إلى انحدار كبير.
و لنا في الآية 14 من سورة التوبة ذلك المعنى السامي ” خذ من اموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها” ، و المقصود تطهير النفوس. و هكذا أصبحت التزكية الإنتخابية هي إختيار مرشح دون منافس له . و غالباً ما يكون هذا ” المزكى” ( بضمة على الميم) ذا قدرة على توفير السيولة النقدية الكافية لوضعه على رأس اللوائح لضمان كرسي في المجالس الترابية أو في مجلسي البرلمان.
و تتفاوت معطيات أسواق التزكية حسب الفئات الاجتماعية التي ترتبط بحزب إداري الولادة و النشأة أو من الأحزاب القديمة، و التواقة إلى الكرسي البرلماني أو غيره.
و يظل المعطى الثابت أن التزكية بمقابل أصبحت ممارسة تخضع لها الغالبية الكبرى من مرشحي الأحزاب ذات الحضور البرلماني عبر مجموعات أو فرق.
و يظل الاستثناء موجودا لدى البعض مع التزام المرشح على أداء جزء من راتبه لحزبه في حالة نجاحه .
و أصبحت التدفقات المالية في مجال التقرب من الزعماء كتلك تزيد الاقتراب من شيوخ الزوايا الصوفية.
و قد تتقاطع في بعض الحالات المصالح بين الأحزاب و الزوايا.
و يتضح حسب ما يتم تداوله صحافيا و على شبكات التواصل الإجتماعي، أن مبالغ الحصول على تزكية حزب ” كبير” قد تتجاوز ثلاثة أو أربعة ملايين درهم.
و يزيد المبلغ حسب الحالات، و خصوصاً تلك التي ترتبط بالترحال السياسي.
و تصل المبالغ لدى الأحزاب، التي كانت تحمل قيم النضال الديمقراطي من أجل التغيير و الإصلاح ، إلى أقل من هذا المستوى لتتراوح بين 50 و 100 مليون سنتيم.
و قد ارتفعت أصوات داخل هذه الأحزاب لتطالب بفتح تحقيق حول ” الأسعار” التي تؤهل لاحتلال الصفوف الأولى في اللوائح الوطنية و المحلية.
و إذا كان الإقبال كبيرا على الاستثمارات في سوق التزكيات خلال الانتخابات المقبلة، فإن رقم المعاملات المرتبط بهذا الفرع من الاقتصاد غير المهيكل، و غير الخاضع الضريبة، قد يتجاوز ملياري درهم إذا تجاوز عدد المرشحين رقم 10000 علما أن هذا العدد وصل سنة 2021 إلى 6815 مرشحا.
و هنا يطرح سؤال حول الاستعمالات الممكنة لمداخيل هذه السوق. مضى ذلك الزمان الذي كانت الحملات الانتخابية تكلف الأحزاب أداء فواتير النشر و للطباعة و كراء مكبرات الصوت و تغطية مصاريف الملصقات و التنقل لتأطير التجمعات و الفرق الموسيقية.
أصبحت التكلفة التي تمتص الجزء الأكبر من المصاريف هي كراء القاعات مجهزة بالكراسي و المنصات و الجمهور و ما تتطلبه المأدبات دجاج و لحم و فواكه و حلويات .
و لهذا يصور لنا التلفزيون قاعات ممتلئة عن اخرها بمن تمت دعوته ” للزردة الإنتخابية”.
و لا يمكن أن لا تستفيد بعض القيادات من كعكة التزكية ما دامت السوق الإنتخابية تعتمد بالأساس على السيولة النقدية التي تحمل في اكياس البلاستيك السوداء التي تقي من شرور الشفافية.
و يبقى ضحايا هذه السوق هم المواطنون الذين يثقون بالوعود كل خمس سنوات. و تتمثل الضحية الثانية في الثقة في المؤسسات.
أما الضحية الثالثة فهي ذلك الشباب و اؤلاءك المناضلين الذين يتم استثناءهم من المشاركة السياسية عبر ترشيحهم لأنهم فقراء و ذوي دخل محدود.
مضى زمن المناضلين الذين كانوا يعطون المثال بتفانيهم و تضحياتهم بوقتهم، و في بعض الأحيان حتى بحريتهم.
من يبيع التزكيات لا يجب أن يتكلم على نبل السياسية و دعم مشاركة الشباب ، و تخليق الحياة، و لا على تنزيل” النموذج التنموي الجديد” .
