خديعة صناديق 23 شتنبر 2026.. حين تمنح مقاطعة المدن مفاتيح الحكم لـ “سماسرة المشهد”
بقلم : عبدالهادي بريويك
حين أُسدل الستر على اقتراع 23 شتنبر 2026، وأُعلنت الأرقام الرسمية لتكرر تلك الاسطوانة المعهودة حول تقدم العالم القروي في نسب الإقبال مقابل الشح الديمغرافي والانتخابي الحاصل في المراكز الحضرية، تجدد النقاش المأزوم حول طبيعة الخريطة السياسية في البلاد.
إن الابتهاج الرسمي بتصدر البوادي للمشهد الانتخابي ليس سوى قراءة مغلوطة لظاهرة سوسيولوجية مركبة.
فما تسوقه لغة الأرقام على أنه روح للمواطنة الحقة في أعماق البوادي، ليس في جوهره إلا استثمارا فاجعا في بؤس الهشاشة الاجتماعية والفقر.
لنكن واضحين بعيدا عن أدبيات التضليل السياسي: إن الكثافة التصويتية التي سجلتها الدوائر القروية في محطة 23 شتنبر لا تعكس بأي حال من الأحوال وعيا برلمانيا أو تشريعيا متقدما، بل هي مرآة عاكسة لعمق الأزمة التنموية. حين تغيب مقومات العيش الكريم، وتتآكل فرص الشغل، وتنتشر الأمية، يتحول يوم الاقتراع إلى موسم استثنائي للزبونية السياسية واقتصاد الريع.
المواطن القروي، المهدد أساسا في أمنه المعيشي والخدماتي، يجد نفسه محاصرا بشبكات نفوذ الأعيان والعائلات النافذة، حيث يقايض صوته بيسر، أو يساق كقطيع نحو الصناديق تحت وطأة الوعود الوهمية والتبعية المطلقة.
إن هذا الإقبال الكثيف في البوادي ليس دليلا على عافية المسار الديموقراطي، بل هو دليل إدانة لنظام سياسي يطمئن لكلما زاد اتساع رقعة الفقر والجهل، لأنه يضمن بذلك كتلة انتخابية طائعة وقابلة للتوجيه دون أدنى مساءلة أو محاسبة للتدبير الحكومي.
لكن الوجه الآخر للمأساة يكمن في الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ترتكبه الحواضر الكبرى: المقاطعة.
إن الهروب من الصناديق بدعوى الاحتجاج الصامت أو رفض عبثية اللعبة ليس بطولة سياسية، بل هو خدمة مجانية جليلة قُدمت على طبق من ذهب للأحزاب الحاكمة والنخب التقليدية السابقة.
فحين يقرر المواطن الحضري الواعي أن يلزم بيته، فإنه لا يعاقب الفساد، بل يخلي له الميدان بالكامل، ليسمح للآليات الحزبية المنظمة، القائمة على الولاءات والزبونية، بأن تحسم النتائج بأقل تكلفة ممكنة وتضمن استمرار هيمنتها على مجالس القرار.
المقاطعة هنا لا تسقط الأحزاب الحاكمة التي عمقت من جراحات شعبنا، ولا تزعزع كراسي المستفيدين، بل تمنحهم شرعية عددية مريحة لتكريس نفس السياسات الفاشلة، لأن الكرسي الشاغر لا يترك فارغا، بل يملؤه الأسوأ.
تؤكد مخرجات 23 شتنبر 2026 مرة أخرى هذه الدائرة المفرغة: دولة تقتات انتخابيا على تخلف البوادي، وأحزاب حاكمة تستفيد سياسيا من غباء المقاطعة في المدن.
فحين تظل صناديق الاقتراع في القرى رهينة بكتل بشرية موجهة بالحاجة، وحين تختار النخب الحضرية الانسحاب وترك الساحة للمفسدين، فإننا لا ننتج سوى مجالس منتخبة تكرر نفسها على مقاس هشاشة المجتمع وعجز نخبه الحية. فمتى يدرك الرافضون في المدن أن التغيير لا يصنعه الغياب، وأن ترك الصناديق للمستبدين والانتهازيين هو أكبر تواطؤ ضد المستقبل؟
