غضب آل الجمّاني… حين تصبح الثقة أكبر من المقعد
(*)ذ. زهير أصدور
ما بعد 23 شتنبر في الداخلة لم يعد مجرد خلاف حول مقعد برلماني، ولا مجرد رد فعل على نتيجة انتخابية. القضية أخذت بعدا سياسيا أوسع، بعدما امتد الغضب من محيط سيدي صلوح الجماني إلى عائلته، وتواترت المواقف والوقفات والحديث عن خطوات احتجاجية وعن إعادة النظر في استمرار عدد من أفراد آل الجماني في مواقعهم داخل المؤسسات المنتخبة بالأقاليم الجنوبية.
وهنا بالضبط ينبغي أن تقرأ الرسالة بعيدا عن الحساب الضيق للربح والخسارة.
فآل الجماني ليسوا اسما طارئا على الحياة السياسية في الصحراء، ولا حضورا موسميا تصنعه الانتخابات ثم ينتهي بانتهائها. نحن أمام عائلة لها امتداد اجتماعي وسياسي وحضور طويل داخل المؤسسات، ولذلك فإن وصول الغضب إلى درجة التفكير في التخلي عن مواقع ومسؤوليات لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد انفعال انتخابي عابر.
فليس من مصلحة الوطن، ولا من مصلحة الأقاليم الجنوبية، أن تنتج المنافسة الانتخابية شعورا يدفع فاعلين لهم حضورهم وامتدادهم داخل المجتمع الصحراوي إلى الابتعاد عن المؤسسات بدل مواصلة العمل من داخلها. والصحراء، بما تمثله سياسيا ووطنيا، تحتاج إلى توسيع دائرة الثقة والانخراط، لا إلى أن تتحول الانتخابات إلى سبب في إحباط من اختاروا لسنوات أن يجعلوا المؤسسات مجالهم للعمل والتنافس.
وسيدي صلوح الجماني نفسه اختار أن يعطي لموقفه معنى يتجاوز شخصه ومصيره الانتخابي.
فبإعلانه سلوك المسطرة القانونية للطعن في النتائج، لم يقدم الأمر باعتباره معركة لاسترجاع مقعد، بل اختصر موقفه في عبارة واضحة: «أصوات المواطنين أمانة»، مؤكدا أن البرلمان لا يعنيه في المقام الأول بقدر ما تعنيه مصداقية العملية الانتخابية واحترام إرادة المواطنين.
وهنا تكمن قوة الموقف سياسيا.
فالمقعد البرلماني يمكن أن يربحه شخص اليوم ويخسره غدا، أما الثقة في صوت المواطن فلا تحتمل العبث. وما أثير في الداخلة من حديث عن خروقات وتلاعب بالنتائج، وما أعقبه من احتجاج وغضب واسع، جعل القضية تتجاوز حسابات الأشخاص إلى سؤال أكبر: كيف نحافظ على اقتناع المواطن والفاعل السياسي معا بأن الاحتكام إلى الصندوق يظل الطريق الطبيعي والآمن للتنافس؟
الجماني يقول، في جوهر موقفه، إن معركته ليست من أجل كرسي في مجلس النواب، وإنما من أجل أن يبقى لصوت المواطن معنى.
وهذه رسالة سياسية ينبغي ألا تضيع وسط صخب النتائج.
فمن يدخل الانتخابات ويقبل قواعدها من حقه أن يطالب بأن تبقى تلك القواعد محترمة إلى النهاية، ومن يحتكم إلى المؤسسات يفعل ذلك لأنه لا يريد للخلاف أن يغادرها.
أما غضب آل الجماني، فقراءته بمنطق «عائلة خسرت مقعدا فغضبت» تختزل واقعة أعمق بكثير.
عندما يصل فاعلون لهم حضور تاريخي داخل المؤسسات إلى التفكير في الابتعاد عنها، فالسؤال لا يعود: من ربح ومن خسر؟ بل: ماذا خسرت السياسة نفسها حتى أصبح الانسحاب مطروحا؟
الوطن في حاجة إلى بقاء رجالاته وفعالياته وعائلاته السياسية داخل المؤسسات، مختلفين ومتنافسين، لا خارجها غاضبين ومحبطين. وهو في حاجة، بصورة أكبر، إلى ألا تتحول الانتخابات من وسيلة لتجديد الثقة إلى سبب في إنهاكها.
قد يكون المقعد واحدا، لكن أثر القضية أكبر من مقعد.
وقد يربح طرف نتيجة انتخابية، لكن الخسارة التي ينبغي ألا تقع هي خسارة الثقة في المشاركة السياسية نفسها.
ولهذا فإن غضب آل الجماني اليوم ليس تفصيلا محليا، ولا ينبغي أن يقرأ بهذه الخفة.
إنه، في جوهره، إنذار سياسي من الصحراء: الثقة في المؤسسات تبنى بصعوبة، وأخطر ما يمكن أن تنتجه الانتخابات هو أن تربح مقعدا وتخسر معها ثقة من ظلوا لسنوات يؤمنون بالعمل من داخل المؤسسات.
(*)محام بهيئة الرباط
