كرنفالات الانتخابات: عن العقلية التي تعتبر المقعد غنيمة

كرنفالات الانتخابات: عن العقلية التي تعتبر المقعد غنيمة.

كتبها: جمال الدين ريان

من الغريب أن تجد في المشهد السياسي من يحوّل الفوز بمقعد برلماني إلى عرس جماعي، وزغاريد، ومواكب سيارات، وتقطيع للحلويات، وكأن الأمة تحررت أو كأن المترشح افتتح عهداً من الرخاء الاقتصادي!
هذه المشاهد ليست مجرد تعبير عفوية عن الفرح، بل هي مظهر صارخ للانحطاط السياسي والعبث الديمقراطي؛ تعكس فهماً قاصراً ومغلوطاً لجوهر العمل البرلماني ودور الممثل الشعبي.
في أصل العبث: المسؤولية تكليف لا تشريف

في الأنظمة الديمقراطية المحترمة، يُعدّ الفوز بالانتخابات لحظة خنوع واستشعار لثقل أمانة الأمة.

إنها اللحظة التي يستحضر فيها النائب حجم الخراب الذي عليه إصلاده، والقوانين الملتوية التي عليه تعديلها، وصوت الضعفاء الذي حمله على عاتقه.
الفوز بكرسي البرلمان ليس جائزة حظ، ولا غنيمة شاطر، ولا فرصة لـ “أخذ الثأر” من المنافسين.

إن احتفال المترشح بهذه الطريقة الكرنفالية يعكس عقليتين لا ثالث لهما:
* عقلية الغنيمة: التعامل مع المقعد كريع شخصي ومكسب سياسي يجب البهرجة به.
* عقلية الاستعلاء: النظر إلى الانتخابات كمعركة شخصية انتصر فيها على خصومه، لا كواجب وطني تجاه ناخبيه.
ثقافة المهرجانات وغياب البرامج
عندما تصبح الاحتفالات هي الصخب الأساسي المتبقي من العملية الانتخابية، ندرك تماماً حجم التفريغ المعرفي والسياسي الذي أُصيبت به أحزابنا ومؤسساتنا.
بدلاً من أن يخرج النائب في أول تصريح له بجدول عمل واضح، أو بملخص لأول قانون يستعد لمساءلة الحكومة حوله، يخرج ليرقص ويرمي الورود! إنها استهانة بالغة بعقول المواطنين، ومحاولة لتغطية الفراغ البرنامجي بالصخب والمظاهر الفارغة.
خطورة استسهال الأمانة
إن تسطيح الفوز البرلماني وتحويله إلى “حفلة نجاح شخصية” هو السبب المباشر في تراجع ثقة الشارع بالعملية السياسية برمّتها. كيف للمواطن أن يثق في برلماني يحتفل بكرسيه وكأنه وصل إلى خط النهاية، بينما يفترض أن تكون تلك اللحظة هي نقطة البداية لعمل شاق ومضنٍ؟
البرلمان ليس منصة للتتويج، ولا صالة أفراح، بل هو محراب للتشريع والرقابة والدفاع عن حقوق الشعب.

ومتى ما استمرت هذه الاحتفالات الهزيلة، سيبقى انطباع المواطن ثابتاً: أن الديمقراطية لدينا تُختزل في صندوق، وتُنحر في حفلة!

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*