عندما يكبر الأولاد..

عندما يكبر الأولاد..

بقلم الدكتور: سدي علي ماء العينين ، أكادير،دجنبر،2025

كلما كبر الأولاد، شعرت بهم يبتعدون عن حضنك؛ فيتملكك إحساس بالغربة.

ببساطة.. لقد اختار كل منهم حضناً آخر ليواصل فيه رحلة الحياة.

تشتاق لعناقهم وهم صغار، يهرولون نحوك كلما سمعوا وقع خطواتك في بهو البيت، أو تحسسوا صوت المفاتيح وأنت تهم بفتح الباب.

تشتاق إلى شغبهم وهم “يتنططون” أمام التلفاز يحجبون عنك الرؤية، أو يمتطون ظهرك وأنت تصلي، أو يمسكون بأصبع السبابة وأنت تتشهد.

تشتاق إليهم وهم يتسللون إلى فراش الزوجية، ليشبعوك ركلاً وهم يتقلبون في نومهم العميق.

في الشارع، نادراً ما يرغبون في مرافقتك؛ بعدما كانوا في صغرهم يبكون ويصرخون ويشدون ثيابك كي يخرجوا معك.

وبينما كنت بالأمس تتسلل خفية لتهرب من إلحاحهم، تقف اليوم مسمراً تتوسل إليهم قبول الخروج معك!

كنت تمشي معهم في جولة عائلية، فيجدون متعة في طلب “الحمل”؛ وكم كان يعجبهم أن يضعوا أرجلهم الصغيرة على كتفيك، ويمسكوا بشعرك بقوة خوفاً من السقوط، يلوحون بأيديهم كأنهم يطيرون فوق السحاب، غير مبالين بتعبك، بل يبكون طلباً للبقاء عالياً.

والآن.. كلما حاولت مجرد المحاولة أن تمسك بيد أحدهم أو تضع يدك على كتفه، تجده ينسل بهدوء مبتعداً، كي لا يراه المارة في صورة “الصغير”.

عندما يكبر الأولاد، يغيرون اسمك من “بابا” إلى “الوالد”، ومنهم من يناديك بأسماء أخرى دلعاً أو تفادياً لنطق كلمة “بابا” التي يظنونها تخص الأطفال فقط.

إن “نظام العلاقة” يتغير؛ فعندما كانوا صغاراً كانوا يبحثون عن الحنان، ويشدهم الشوق إلى ما تحمله يداك وأنت مقبل عليهم، يحبون هداياك لمجرد أنها منك.

أما عندما يكبرون، فقد يبحثون عن “مالك” أكثر من حنانك، ولا يقبلون هداياك لأن ذوقهم اختلف عن ذوقك.

وإن جئت محملاً بشيء ثقيل، فقلما يأبهون بحمله عنك، وبمجرد وصوله إلى المطبخ يدخل تحت سلطتهم، فيتناولونه دون اعتبار لترك نصيبك منه!

كانوا يرمون لعبهم ويجرون لعناقك، وما إن كبروا وأصبحت لهم هواتف، حتى بقوا مسمرين في أماكنهم، عيونهم على الشاشات، ويكتفون عند دخولك بمجرد إيماءة أو رفع نصف عين مع تمتمة السلام، وأحياناً بلغة أجنبية، ليعودوا سريعاً إلى تواصلهم مع أقرانهم الافتراضيين عبر العالم.

أثناء سفرك في صغرهم، كانت والدتهم تخبرك أنهم لا ينامون الليل بكاءً وهم يسألون عنك، وتضطر للاتصال بك ليسمعوا صوتك قبل الخلود للنوم.

وعندما يكبرون، لا يكادون يحسون بغيابك، فأنت “في العمل” وحسب.

لا يهمهم في سفرك إلا ما ستحمله لهم من هدايا، وكلما شاهدوا صور المكان الذي زرته عاتبوك لأنك لم ترافقهم؛ ليس حباً في رفقتك، ولكن حباً في المكان!

كلما كبر الأولاد تزداد غربتك، وتقل مكانتك العاطفية لتزداد قيمتك “المالية”.

لا يترددون في القول بأنك مهم في حياتهم، لكنهم لا يعبرون عن ذلك بالأحاسيس، بل بالمطالب والاحتياجات، وحتى الشكوى والاحتجاج عند غياب أبسط الضروريات.

عندما يكبر الأولاد، تموت فيك أشياء كثيرة، وتعيش تجربة “حب من طرف واحد”.

وهذا لا يعني أنهم لا يحبونك، ولكن طفولتهم وشغبهم وحضنهم هو الذي يضيع وسط الكبر والانشغالات.

وأنت.. تظل متعطشاً لدلالهم الذي كان، وتريده أن يرافق كبرهم.

هذا حال كل علاقات الحب؛ تبدأ بالارتباط والتعلق والاهتمام، وتنتهي بعلاقة فيها حب مكتوم وكثير من الأمور الأخرى.

 

 فهل تعتبرون؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*