أبواقُ الموسم ودكاكينُ الخوف: لمَاذا ترتعدُ الأحزابُ المغربية من كفاءات مغاربة العالم؟

أبواقُ الموسم ودكاكينُ الخوف: لمَاذا ترتعدُ الأحزابُ المغربية من كفاءات مغاربة العالم؟

كتبها: جمال الدين ريان 

كلما اقترب موسم قطف الأصوات ودقّت طبول الانتخابات البرلمانية في المغرب، تنطلق الجوقة المعهودة ذاتها؛ ترتفع عقيرة “الدكاكين السياسية” بالخطب الرنانة والوعود المعسولة، وتتحول مغازلة مغاربة العالم إلى طقس حزبي مقدّس. يتغنون بالوطنية، ويشيدون بالارتباط الوثيق لمغاربة الخارج بوطنهم الأم، ويهللون لتحويلاتهم المالية التي تشكل صمام أمان للاقتصاد الوطني.

لكن، بمجرد أن يطالب هؤلاء المواطنون بحقهم الدستوري المشروَع في التزكية والترشح وولوج قبة البرلمان من بابها الواسع، ينقلب السحر على الساحر، وتتحول تلك المغازلة الوردية إلى جدار سميك من الإقصاء الممنهج والتوجس المريب.

إن هذا السلوك لا يمكن تصنيفه إلا في خانة “النفاق السياسي” المكتمل الأركان.

فالأحزاب المغلقة على نفسها، والتي أصبحت أشبه بشركات عائلية أو دكاكين تجارية تُباع فيها التزكيات لمن يدفع أكثر أو لمن يتقن الولاء الأعمى، ترتعد فرائصها من فكرة دخول كفاءات مغاربة العالم إلى المعترك السياسي.

هذا الخوف ليس نابعاً من فراغ، بل هو دفاع غريزي عن البقاء؛ فدخول نخبة من أطر المهجر، ممن تشبعوا بثقافة الحق والقانون، وتمرسوا في بيئات ديمقراطية حقيقية، وتدرجوا في كبريات الشركات والمؤسسات الدولية بناءً على الكفاءة والاستحقاق لا “المحسوبية والزبونية”، يشكل تهديداً وجودياً لبنية هذه الدكاكين الائتمانية.

تخاف هذه الكائنات الانتخابية من مغاربة العالم لأنهم يحملون معهم عقلية جديدة تفضح العقم الفكري والتدبيري الذي تعيشه النخب الحالية.

يخافون من “بروفايلات” لا يمكن شراؤها بالمال، ولا يمكن ترويضها بالوعود الفارغة، ولا تتقن لغة “باك صاحبي”.

إنهم يخشون الكفاءة لأنها تعري رداءة المشهد، ويخشون نظافة اليد لأنها تكشف حجم الفساد والريع، ويخشون عقليات التغيير لأنها ستهدم قلاع المصالح الضيقة التي بناها “تجار الانتخابات” على مدى عقود.

إنه لَمِن المخجل والعبثي أن يُنظر إلى ملايين المغاربة في الخارج كمجرد “عملة صعبة” تضخ في خزينة الدولة، أو كأرقام إحصائية لإنقاذ المواسم السياحية، بينما يُحرمون من حقهم في المساهمة في صنع القرار التشريعي والسياسي لبلدهم. هذا الإقصاء الممنهج ليس مجرد تهميش لأفراد، بل هو هدر جماعي لذكاء وطني عابر للقارات، وجريمة في حق مغرب يتطلع إلى نموذج تنموي جديد يحتاج فيه إلى كل طاقاته.

لقد حان الوقت لتعرية هذا الخطاب الحربائي.

إن مغاربة العالم ليسوا بحاجة إلى صكوك وطنية من أحزاب لا تفتكرهم إلا في مواسم الانتخابات، ولا هم قاصرون سياسياً لينوب عنهم من لا يعرف عن معاناتهم وتطلعاتهم شيئاً.

إن استمرار الدكاكين السياسية في إشهار فيتو “الخوف والإقصاء” في وجه كفاءات الهجر هو دليل قاطع على تفضيلها للرداءة المضمونة على الكفاءة المزعجة، وهو ما يسقط عنها آخر ورقة توت تبقت لتغطية عوراتها السياسية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*