مغاربة الخارج يصوتون بالوكالة.. فهل المواطنة أيضا بالوكالة؟
كتبها : *عبد المجيد الفرجي
على ضوء بلاغ وزارة الداخلية الصادر اليوم، 24 غشت، بشأن فتح المنصة الإلكترونية المخصصة لإنجاز وكالة التصويت للمغاربة المقيمين بالخارج، تطرح هذه الإجراءات، إلى جانب بعدها التقني، أسئلة دستورية وحقوقية حول مدى فعلية المشاركة السياسية لمغاربة العالم وضمان حقوق المواطنة الكاملة التي ينص عليها الدستور المغربي:
بعد خمسة عشر عاما على دستور 2011، إلى أي حد يمكن القول إن الفصل 17، الذي يضمن للمغاربة المقيمين بالخارج حقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح، قد تحول فعلا من مقتضى دستوري إلى ممارسة سياسية كاملة وملموسة؟
إذا كان الفصل 30 من الدستور يعتبر التصويت حقا شخصيا وواجبا وطنيا، فما المبرر لاستمرار اعتماد الوكالة كآلية أساسية لمشاركة مغاربة الخارج، بدل تطوير آليات تمكن المواطن من ممارسة اختياره الانتخابي بنفسه ومن بلد إقامته؟
هل يكفي توفير آلية قانونية للتصويت حتى نتحدث عن حق سياسي فعلي، أم إن مفهوم “الممارسة الفعلية” الوارد في الفصل 17 يقتضي أيضا أن تكون الآلية سهلة ومباشرة ومتاحة عمليا لملايين المغاربة المقيمين في بلدان مختلفة؟
ألا تطرح الوكالة نفسها سؤالا ديمقراطيا حول سرية واستقلالية الاختيار الانتخابي؟ وكيف يمكن ضمان أن إرادة الناخب المقيم في الخارج ستترجم كما اختارها هو، دون تأثير أو تدخل من الشخص الذي يصوت بالنيابة عنه؟
الفصل 18 يتحدث عن ضمان “أوسع مشاركة ممكنة” للمغاربة المقيمين بالخارج؛ فهل المشاركة عبر الوكالة تحقق فعلا هذا الطموح الدستوري، أم إننا بحاجة إلى إعادة التفكير في نموذج المشاركة السياسية لمغاربة العالم برمته؟
إذا كان المغربي المقيم في إيطاليا مواطنا كامل الحقوق وفق الفصل 17، فلماذا لا يستطيع، من حيث المبدأ، أن يعيش العملية الانتخابية من بلد إقامته بصورة مباشرة: التسجيل، متابعة العرض السياسي، الاختيار والتصويت، بدل اختزال علاقته بالاقتراع في منح وكالة لشخص داخل المغرب؟
إذا كانت إيطاليا تمكن مواطنيها المقيمين بالخارج من التصويت من بلدان إقامتهم، بل وتخصص لهم دائرة انتخابية لانتخاب ممثليهم في البرلمان، فما الذي يمنع المغرب من التفكير في نموذج مماثل يترجم مفهوم المواطنة الكاملة إلى مشاركة سياسية مباشرة؟
وإذا كانت تونس، وهي بلد من جنوب المتوسط وإمكاناتها ليست بالضرورة أكبر من إمكانات المغرب، تنظم مراكز اقتراع لمواطنيها في الخارج، فلماذا يظل الناخب المغربي المقيم بالخارج مطالبا بتوكيل شخص داخل المغرب لممارسة حقه الانتخابي؟
أين يقف حق الترشح إلى جانب حق التصويت؟ وهل النقاش العمومي حول مشاركة مغاربة الخارج يركز أكثر من اللازم على كيفية الإدلاء بالصوت، بينما يظل السؤال الأعمق هو قدرتهم الفعلية على الترشح والتمثيل والمشاركة في صناعة القرار السياسي؟
كيف يمكن الحديث عن “أوسع مشاركة ممكنة” إذا لم يكن مغاربة العالم حاضرين بصورة كافية في المؤسسات التي تناقش وتقرر السياسات التي تخصهم؟ وهل المطلوب مستقبلا الانتقال من منطق استشارة الجالية إلى منطق تمثيلها السياسي الفعلي؟
ما الذي يمنع، قانونيا أو تقنيا أو سياسيا، من دراسة بدائل أكثر مباشرة للوكالة، بما يضمن في الوقت نفسه شخصية التصويت وسريته ونزاهته؟ وهل أجري تقييم رسمي وعلني لفعالية نظام الوكالة ونسبة المشاركة التي يحققها؟
هل الإشكال اليوم هو فعلا في وجود الحق، أم في المسافة بين الاعتراف الدستوري بالحق وبين شروط ممارسته؟ وبعبارة أخرى: متى ينتقل مغاربة العالم من مواطنة سياسية معترف بها في النص إلى مواطنة سياسية قابلة للممارسة الكاملة في الواقع؟
على سبيل الختم: متى يصبح الحق في المواطنة حقا بلا وكالة؟
*مواطن مغربي “مقيم بالخارج”/ إيطاليا
