أتاي الأحد
كتبها: عبد الرفيع حمضي
رسالة إلى فراقشي
عزيزي الفراقشي،
فقد ترددت طويلا قبل أن أكتب إليك. لا لأنني لا أعرفك؛ بالعكس، أعرفك جيدا. أعرف اسمك وعنوانك، وأعرف أسرتك، وربما التقينا أكثر من مرة وتبادلنا التحية. ولكنني لم أكن أعرف بأي صفة أخاطبك: بتلك التي عرفناك بها قديما، أم بالصفات الكثيرة التي اكتسبتها حديثا؟
كنت أعرفك في الحكايات القديمة رجلا يتربص بقطيع غنم، ينتظر غفلة الراعي، ثم يختفي بخروف أو اثنين قبل أن يطلع الصباح.
كبرت أنت، وكبرت تجارتك.
ولعل أجمل ما في حكايتك، إن كان فيها ما يستحق الإعجاب، أنك لم تخترع اسمك بنفسك. المجتمع هو الذي سماك، بحيويته ورفضه.
فعندما تتكرر ظاهرة وتعجز اللغة الرسمية عن وصفها، يخترع الناس لها اسما. وبعيدا عن الفعل وشروطه، والجريمة وأركانها، وإنفاذ القانون ورجاله، فقد احتاج المجتمع إلى كلمة واحدة تجمع ما يراه بعينه ولا يجد له دائما طريقا سهلا إلى المحاضر والمحاكم، فقال ببساطة: «الفراقشية».
والمعلوم أن الكلمات ، مثل الناس، تغير مهنتها حين تتغير الأزمنة.
فأنت، عزيزي، لم تعد تحتاج إلى انتظار الليل، ولا إلى غفلة الراعي. غادرت الزريبة، ودخلت السوق، وتعلمت الحساب، وصرت تعرف كيف تحول الحاجة إلى فرصة، والندرة إلى ربح، والقرار العمومي إلى مناسبة لا ينبغي أن تضيع.
هذه السنة فقط عرفك المغاربة أكثر. قدمت الدولة دعما لاستيراد الأغنام حتى تكون الأسعار في متناول الناس. صرف الدعم، ولم تصل الأغنام إلى الناس كما كان منتظرا، وبقي كثير من المغاربة عاجزين عن اقتناء أضحية العيد. ولن أطيل معك في الحكاية، فأنت تعرف تفاصيلها أكثر مني.
غير أنني اكتشفت أنك لا تحب الأسواق والمواسم الدينية وحدها. لك أيضا ولع خاص بالمواسم الانتخابية.
وهنا، عزيزي الفراقشي، تغيرت مهنتك مرة أخرى.
لم تعد تتعامل مع رؤوس الأغنام، بل مع الأصوات. ولم تعد تحتاج إلى حظيرة، بل إلى دائرة انتخابية. ولم يعد مطلوبا منك أن تعرف الراعي، بل أن تعرف الأحياء والعائلات، ومن يحتاج إلى دواء، ومن يبحث عن عمل، ومن ينتظر مساعدة، ومن يستطيع أن يقنع عشرة أو عشرين أو خمسين شخصا.
وصرت أكثر حداثة أيضا. لك وسطاء وشبكات وهواتف ولوائح، ومن يعرف من، ومن يتحدث مع من. لم تعد «الفراشة» عملا فرديا؛ أصبحت، في بعض صورها، معرفة دقيقة بالسوق وبالبشر.
وهنا بدأت أخاف منك أكثر.
حين كنت تسرق خروفا، كانت خسارتنا خروفا. أما حين تدخل الانتخابات، فالبضاعة مختلفة تماما. لأنك لا تشتري صوتا فقط، بل تشتري الطريق إلى المؤسسة التي تضع القانون، وتراقب الحكومة، وتقرر في المال العام.
والمفارقة أنك لم تعد دائما مضطرا إلى الاختباء. فقد أصبح لكل شيء اسم لطيف: مصاريف، تعبئة، تواصل، مساعدة، وساطة، دعم…
ولعل قوتك الحقيقية ليست فقط في المال الذي تملكه، بل في شبكة الصمت التي تحيط بك. الإدارة مطالبة بالكشف والإثبات، لكن قبل ذلك تحتاج إلى إرادة الفعل؛ والسياسي قد يكون فاعلا أو مستفيدا من خدماتك، والوسيط يعيش منك، وحتى المواطن الذي يفترض أنه ضحية هشاشته قد يصبح، في لحظة ما، شريكا في حمايتك؛ لأنه قبض منك، أو ينتظر منك خدمة، أو يخشى أن يخسر ما وعدته به.
وهنا تصبح الحكاية أخطر من شراء صوت.
لأن الفراقشي لا يعيش بالمال وحده؛ يعيش أيضا بتقاطع المصالح. كل واحد يعرف جزءا من الحكاية، وكل واحد يملك سببا صغيرا للصمت، وعندما تجتمع أسباب الصمت الصغيرة، تولد حماية كبيرة.
لذلك لم تعد «الفراقشية» مجرد وصف شعبي ساخر. إنها كلمة اخترعها المجتمع ليصف علاقة مضطربة بين المال والحاجة والنفوذ والصمت.
عزيزي الفراقشي، لن أحدثك عن الأخلاق؛ لأنك لا تجهلها، بل لا ترى فيها ربحا يستحق العناء.
وبين ما يقال وما لا يقال، كنت أخاف عليك من الدرك والشرطة حين كنت تسرق الخروف؛ أما اليوم، فأخاف على السياسة منك.
