صفيح ساخن على رمال الأطلسي: هل تُشعل الكتل الكبرى فتيل الأزمة بشمال إفريقيا، أم يحين أوان الحصافة الوطنية؟
صفيح ساخن على رمال الأطلسي: هل تُشعل الكتل الكبرى فتيل الأزمة بشمال إفريقيا، أم يحين أوان الحصافة الوطنية؟
كتبها: جمال الدين ريان
لم يعد خافياً أن النظام الدولي يعيش مخاضاً عسيراً تتداخل فيه خيوط الصراع الجيوسياسي بين القوى العظمى، لتلقي بظلالها الثقيلة على مناطق استراتيجية حساسة، في مقدمتها منطقة شمال إفريقيا.
ومع تزايد الاستقطاب الحاد واستخدام حق النقض (الفيتو) المتبادل في مجلس الأمن الدولي بين واشنطن وموسكو إزاء ملف الصحراء، تطرح التساؤلات ملحة ومصيرية: هل يجر هذا التجاذب الدولي المنطقة نحو حرب إقليمية واسعة النطاق لزعزعة الاستقرار؟ وهل تشكل نهاية مهام بعثة “المينورسو” ضربة للاستقرار أم فرصة تاريخية للقطيعة مع الجمود؟ وكيف ينبغي للجبهة الداخلية مواجهة هذه التحديات؟
الفيتو المتبادل: صراع الكبار وصفيح المنطقة الساخن
إن لجوء القوى الكبرى إلى استخدام سلاح “الفيتو” في مجلس الأمن يعكس رغبة كل قطب في إعادة هندسة النظام الإقليمي وفق مقاسات مصالحه الاستراتيجية.
غير أن نقل ساحة الصراع الدولي إلى شمال إفريقيا يحمل في طياته مخاطر جسيمة؛ فالتنافس الأمريكي – الروسي لا يهدف بالضرورة إلى إيجاد تسوية عادلة بقدر ما يتحول إلى أداة لضغط متبادل.
هذا التوتر، إن لم يتم تطويقه بحكمة بالغة، قد ينزلق بالمنطقة نحو توترات إقليمية مسلحة تروم تقويض مقومات الاستقرار المتبقي، وتحويل فضاء المغرب العربي إلى ساحة تصفيات حسابات دولية عابرة للحدود.
انتهاء مهمة “المينورسو”: نهاية الجمود أم بداية المخاطر؟
يأتي السقوط المتبادل لمشاريع القرارات الأممية وعجز مجلس الأمن عن التمديد لبعثة “المينورسو” ليطوي صفحة استمرت لعقود من التدبير البيروقراطي الأممي النمطي.
من منظور استراتيجي، يرى الكثيرون أن انتهاء هذا المسار الأممي التقليدي ليس بالضرورة كارثة على المنطقة، بل قد يُمثل فرصة حاسمة للتخلص من حالة “اللاحرب واللاسلم” التي استغلتها أطراف إقليمية لإدامة الصراع.
إن تفكيك صيغ الوصاية الأم العقيمة يدفع بالمنطقة نحو حتمية البحث عن حلول ذاتية واقعية، تنطلق من السيادة الكاملة والحلول السياسية المبدئية التي تُسقط رهان المماطلة وتنهي أوهام التقسيم.
جبهة داخلية حصينة: جمع البرلمان وتكوين حكومة وحدة وطنية
أمام هذا المنعطف الوجودي والدقيق، لم يعد مسموحاً الاكتفاء بالتدبير التقليدي للشأن العام أو الاستغراق في الخلافات السياسية الضيقة.
إن حماية الاستقرار الوطني وصيانة الوحدة الترابية تتطلبان بالضرورة رص الصفوف وتعبئة وطنية شاملة.
ويتمثل المدخل الأساسي لهذا الحصن المنيع في:
* جمع البرلمان بغرفتيه في جلسة طارئة وموحدة، لتجسيد الإرادة الشعبية الخالصة وإيصال رسالة قوية وموحدة للمجتمع الدولي بأن الجبهة الداخلية متراصة وصلبة.
* تكوين حكومة وحدة وطنية قوية، تضم الكفاءات وتتجاوز الحساسيات الحزبية الظرفية، لتكون قادرة على إدارة التحديات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية الجسيمة، وقيادة سفينة البلاد بحكمة في بحر متلاطم الأمواج.
إن شمال إفريقيا تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ إما الانزلاق نحو أجندات الفوضى وزعزعة الاستقرار التي ترسمها أيادي الصراع الدولي، وإما الارتكاز إلى وعي وطني عميق يضع السيادة الوطنية ومصالح الشعوب فوق كل اعتبار.
واليقين الكامن يظل في أن قوة الجبهة الداخلية هي الدرع الواقي الوحيد في وجه عواصف الإقليم.
