خريجو أقسام تحضير شهادة التقني العالي (BTS) بدرعة تافيلالت.. حين يتحول النجاح إلى انتظار بلا أفق

خريجو أقسام تحضير شهادة التقني العالي (BTS) بدرعة تافيلالت..حين يتحول النجاح إلى انتظار بلا أفق

بقلم الأستاذة: آمال بن الطاهر

 مقدمة: نجاح بلا مقعد

في العادة، يكون النجاح محطة فرح ونقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة.

أما لدى خريجي دبلوم التقني العالي (BTS) هذا الموسم، فقد تحول إلى بداية قلق.

فبعد سنتين من الدراسة والتكوين والجهد، وجد كثير منهم أنفسهم أمام سؤال لا جواب عنه: ماذا بعد؟

بين رفض كليات استقبالهم في الإجازة العادية، وعدد محدود من المقاعد في إجازة التميز، وضعف إمكانيات أسر كثيرة عن تحمل كلفة التعليم الخاص، يقف هؤلاء الشباب في منطقة رمادية.

لا هم ولجوا سوق الشغل بدبلوم يعتبرونه غير كاف، ولا هم تمكنوا من مواصلة المسار الجامعي الذي حلموا به.

رسالة من طالبة.. وصدى لحالة جماعية

لم يصلني هذا الملف عبر بلاغ رسمي أو تقرير إداري. وصلني برسالة من طالبتي السابقة حفصة الناصري، كتبتها بلغة مهذبة وحريصة على الاحترام، لكنها لم تخف خلفها قلقا حقيقيا.

لم تتحدث عن نفسها وحدها، بل باسم زملاء وزميلات يعيشون الوضع ذاته.

تقول حفصة إن عددا كبيرا من خريجي الـBTS وجدوا صعوبة كبيرة في مواصلة دراستهم بعد حصولهم على الدبلوم، إذ رفضت كليات ومؤسسات عديدة استقبالهم لاستكمال مسار الإجازة العادية.

أما إجازة التميز، فلم يلتحق بها إلا عدد قليل منهم، فيما بقي الباقون في وضعية غير واضحة، دون فرصة حقيقية لمتابعة المسار.

وما يلفت في رسالتها أنها لا ترفع سقف المطالب، ولا تتحدث بلغة الاحتجاج الغاضب.

هي تسأل أسئلة مشروعة: هل يمكن إعادة النظر في وضعيتهم خلال السنة المقبلة؟ هل يمكن فتح باب الإجازة العادية أمامهم أو إيجاد مسار بديل؟ ومن هي الجهة المسؤولة التي يمكن مراسلتها أو توجيه طلب جماعي إليها؟

أسئلة بهذا الوضوح وهذا الأدب تستحق جوابا بالوضوح نفسه.

حين لا يجد الطلبة من يجيب

عندما تتعثر الأسئلة داخل الدهاليز الإدارية، يبحث أصحابها عن منافذ أخرى.

وهذا ما يفعله هؤلاء الطلبة اليوم: يتوجهون إلى عدة منابر إعلامية، علهم يجدون من ينقل صوتهم إلى أصحاب القرار، ويفتح نقاشا عموميا حول وضعية لا يعرف كثيرون أنها قائمة أصلا.

وهذا في حد ذاته مؤشر لا ينبغي تجاهله. فحين يلجأ الطالب إلى الإعلام قبل أن يجد قناة واضحة للتظلم أو التوجيه داخل المنظومة التعليمية، فهذا يعني أن آليات الإنصات تحتاج إلى مراجعة.

مسار بلا جسور:

يطرح الملف سؤالا بنيويا: ما موقع دبلوم الـBTS في السلم التعليمي؟ هل هو مسار مهني ينتهي بسوق الشغل، أم مسار تكويني يفترض أن يفتح أبواب الجامعة لمن أراد المواصلة؟

حين يخضع الطالب لسنتين من الدراسة المتخصصة، ثم يكتشف أن الطريق نحو الإجازة مقيد بشروط وانتقاءات ومقاعد محدودة، فإن الإشكال لا يكمن في الطالب، بل في غياب الجسور الواضحة بين مسالك التكوين والجامعة. فالمسار الذي لا تؤدي نهايته إلى ممر معلوم يتحول من استثمار في المستقبل إلى مغامرة غير مضمونة.

ولا يعني هذا إنكار أن للمؤسسات الجامعية ضوابط بيداغوجية وطاقة استيعابية محدودة، فهذه حقائق تفرض نفسها. لكن المطلوب هو شرح هذه الضوابط للطلبة بشفافية، وتوضيح ما هو متاح وما هو غير متاح، وفتح قنوات حوار تجنبهم الغموض الذي هو أشد وطأة من الرفض نفسه.

الجهة في قلب السؤال:

لا يمكن فصل هذه الحالة عن سياقها الترابي. فجهة درعة تافيلالت، بمدنها وواحاتها وأقاليمها المترامية، تعد من الجهات التي طالما رُبطت بصفة «المغرب العميق»، وهي صفة تحمل في الخطاب الرسمي دلالة الاعتراف، وفي الواقع كثيرا من معاني الإقصاء والبعد عن المركز.

وفي جهة كهذه، لا يعني غياب المقعد الجامعي القريب مجرد إزعاج إداري.

فالانتقال إلى مدينة أخرى يعني كلفة سكن ونقل وإعاشة، وهي كلفة ترهق أسرا كثيرة.

وكم من شاب أو شابة اضطر إلى التوقف لا لأنه عجز عن التحصيل، بل لأن الطريق إليه مكلف أو مغلق.

من هنا تتجاوز المسألة وضعية دفعة من الخريجين، لتطرح أسئلة أوسع:

• هل العرض الجامعي والتكويني بالجهة كاف لاستيعاب أبنائها؟

• ما مدى انسجام التكوينات المهنية والتقنية مع إمكانيات المتابعة الجامعية بالجهة نفسها؟

• هل يكفي أن نفتح مؤسسات التكوين دون أن نضمن لخريجيها أفقا واضحا؟

• أين تقف الجهة من تعهدات العدالة المجالية في مجال التعليم العالي؟

بين «المغرب المنسي» و«المغرب العميق»:

كثيرا ما نسمع عبارتين متقابلتين: «المغرب المنسي» و«المغرب العميق».

الأولى يرددها أبناء الهامش حين يشعرون بأن صوتهم لا يصل، والثانية يستعملها الخطاب العام حين يريد الاحتفاء بالجغرافيا والتراث والأصالة.

لكن العمق الحقيقي، في نظر الشباب، ليس في الواحات ولا القصور ولا المواسم الثقافية فحسب.

العمق أن تجد الطالبة في جهتها مسارا تعليميا مفتوحا، وأن يعرف الخريج أن مجهوده لن يذهب سُدى، وأن تتعامل المؤسسات مع طلبه بوصفه حقا لا منّة.

أما النسيان فيبدأ حين تتحول الجهة إلى حاضرة في التقارير وغائبة عن القرارات، وحين تُترك أسئلة أبنائها معلقة حتى تتحول إلى خيبة.

وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل ستظل درعة تافيلالت «مغربا منسيا»؟ وهل يُراد لـ«المغرب العميق» أن يبقى عمقا في المعاناة، أم أن يصبح عمقا في الفرص؟

ما الذي يطلبه الطلبة فعلا؟

حين نقرأ رسالة حفصة بتمعن، نكتشف أن المطالب متواضعة ومعقولة:

1. توضيح رسمي لوضعية خريجي الـBTS وإمكانيات متابعتهم للدراسة.

2. النظر في فتح الإجازة العادية أو إحداث مسار بديل يستوعب من لم يلتحقوا بإجازة التميز.

3. تحديد جهة واضحة يمكن مراسلتها وتقديم طلب جماعي إليها.

4. ضمان ألا يتحول هذا الوضع إلى «سنة بيضاء» تضيع فيها جهود سنوات.

لا شيء في هذه المطالب يشبه الامتياز. هي مجرد دعوة إلى أن يكون للنجاح معنى، وأن يكون للتكوين أفق.

خاتمة: الكرة في ملعب المسؤولين

إن أخطر ما يمكن أن يصيب شابا متفوقا هو أن يقتنع بأن المجهود لا قيمة له. وأخطر ما يمكن أن يصيب منظومة تعليمية هو أن تفقد ثقة طلابها بها.

وإذا كانت المنابر الإعلامية قد فتحت أبوابها لهؤلاء الطلبة، فإن الجواب الحقيقي لا يوجد عندها، بل عند وزارة التعليم العالي ورؤساء الجامعات والمؤسسات المعنية. وعلى هؤلاء أن يوضحوا ويشرحوا ويقترحوا، وأن يثبتوا أن الجهات البعيدة عن المركز ليست بعيدة عن اهتمامهم.

فالوقت يمر، والموسم الجامعي انطلق، وكل أسبوع تأخير يضيق الخيارات أكثر.

وبين الصمت والجواب، يقف طلبة لا يريدون سوى أن يُكتب لهم أن يتابعوا ما بدأوه.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*