بورتريه الأستاذ محمد بوشعور..ذاكرة اليسار في سيرة أستاذ.
كتبها: أحمد رحمون
ليس مجرد اسمٍ مرّ من سجلات التعليم، بل حكاية جيلٍ كامل، تشكّلت ملامحه بين سبورة المدرسة ودفاتر النضال، وبين القرى الهامشية وأحلام التغيير الكبرى.
وُلد سنة 1955 بقبيلة أيت عبو، بدوار أيت لحسن، في زمنٍ كانت فيه المدرسة نافذة نادرة على العالم، وكان التعليم فعلَ مقاومة صامتة.
من مدرسة المركز القروية، الملاصقة لمقر الجماعة، بدأ أول خيط في نسيج مساره، حيث نال الشهادة الابتدائية، حاملاً في محفظته الصغيرة أكثر من كتب: طموحًا مبكرًا وشغفًا بالمعرفة.
في ثانوية موسى بن نصير بالخميسات، خطا أولى خطوات الوعي، وهناك حصل على شهادة “البروڨي”.
وحين ضاقت المؤسسة بشعبة الاقتصاد، اتسعت خطاه نحو القنيطرة، بثانوية محمد الخامس، حيث تعمّقت التجربة الإنسانية والفكرية، وتُوّجت بالحصول على شهادة البكالوريا سنة 1978، بعد مسار لم يكن سهلاً، لكنه كان صادقًا.
دفعه القرب الإنساني من أبناء الخميسات إلى الرباط، إلى كلية الآداب، شعبة الفلسفة، حيث قضى سنتين كطالب حر. لم ينل الإجازة في علم النفس، لكن الجامعة منحته ما هو أعمق: أدوات التفكير النقدي، وجرأة السؤال، وحسّ الالتزام.
وحين فتحت وزارة التربية الوطنية أبواب التعليم في وجه حاملي البكالوريا، لم يتردد.
ففي 11 يناير 1979، دخل الأستاذ محمد بوشعور القسم معلّمًا مؤقتًا بمدرسة عقبة بن نافع بالرماني. هناك لم يكن التعليم وظيفة، بل رسالة يومية، تُمارَس في ظروف قاسية، وبإيمان عنيد.
في نفس السنة، انخرط في العمل النقابي، مع تأسيس مكتب النقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. وعندما دوّى الإضراب العام الوطني أيام 9، 10 و 11 أبريل 1979، كان من أولئك الذين دفعوا الثمن: طرد، تضييق، وتنقيل عقابي نحو والماس. لكنه اختار الرفض، لأن الكرامة لا تُنقّل بقرار إداري.
بقوة التضامن النقابي، وبدعم من مناضلي الاتحاد الاشتراكي، عاد إلى زعير، متنقلاً بين مدارسها من مدرسة أبي الحسن المراكشي إلى مدرسة اولاد عمران بجماعة الزحيليگة، إلى أن استقر لاحقًا بالرماني، حيث شكّل مع مدرسة أنوال، ثم عقبة بن نافع، فصلًا طويلًا من العطاء، انتهى رسميًا بالتقاعد سنة 2016، لكنه لم ينتهِ فعليًا في ذاكرة تلامذته.
وإلى جانب القسم، كان للثقافة مكانها الطبيعي في حياته. داخل جمعية النهضة الثقافية، ساهم في إشعال وهج السينما والمسرح والفكر، ووقف على الخشبة، أو خلف الكواليس، مؤمنًا بأن الثقافة وجهٌ آخر للتربية. تحت إشراف عبد الكريم برشيد، عرفت الفرقة لحظات تتويج واعتراف، لكنها قبل ذلك عرفت شغفًا نادرًا.
نقابيًا، حمل مسؤولية الكاتب المحلي لفرع الرماني، وسط كتلة مناضلة متماسكة. وفي سنة 1994، لم يتردد في دفع ثمن موقفه مرة أخرى، فاعتُقل رفقة رفاقه بعد الإضراب العام، ومثل أمام النيابة العامة، محاطًا بتضامن حقوقي واسع، ليخرج أكثر قناعة بأن النضال ليس نزهة، بل امتحان أخلاقي دائم.
بعد انشقاق الكونفدرالية، اختار الالتحاق بالفيدرالية الديمقراطية للشغل، محافظًا على نفس النفس الوحدوي، ونفس الوفاء للمبادئ.
حزبيًا، كان انتماؤه للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مبكرًا، منذ سنوات الإعدادي، حين استقطبه الأستاذ زروال، فكبر الانتماء مع التجربة، وصار فعلًا يوميًا.
كان من مؤسسي الفرع المحلي للحزب بدائرة الرماني في أوائل التسعينات، وظل وفيًا لخطه، لا يساوم ولا يبدّل، إلى أن غادر المدينة مطلع فبراير 2017.
الأستاذ محمد بوشعور هو من أولئك الذين لا تُختزل حياتهم في تواريخ ولا مناصب.
هو سيرة رجلٍ عاش التعليم كالتزام، والنقابة كضمير، والسياسة كقيمة، والثقافة كتنفّسٍ ضروري.
رجلٌ يشبه جيله: صلبًا في المواقف، بسيطًا في العيش، وعميق الأثر في من مرّوا من فصله أو جاوروه في درب النضال.
