العرائش بعد الأمطار: بنية تحتية منهارة وأسئلة ثقيلة حول المسؤولية.
سياسي: العرائش
كشفت التساقطات المطرية الأخيرة بمدينة العرائش عن وضع عمراني مقلق لم تشهده المدينة من قبل، بعدما تحولت شوارع رئيسية وأحياء كاملة إلى مساحات مليئة بحفر عملاقة وتموجات وانهيارات أرضية، شلّت حركة السير وعرّضت سلامة المواطنين وممتلكاتهم للخطر.
هذا الواقع لا يمكن اختزاله في “أمطار موسمية”، بل يعكس اختلالات عميقة في تدبير صفقات عمومية كلفت المال العام مبالغ ضخمة، وكان يفترض أن تؤسس لبنية تحتية صلبة لا أن تنهار مع أول اختبار طبيعي.
أمام تفاقم الوضع، لجأت الجهات المعنية إلى حلول ترقيعية: ردم مؤقت، تغيير اتجاهات السير، وإغلاق بعض المقاطع الطرقية، في إجراءات يرى متابعون أنها تؤجل المحاسبة ولا تعالج أصل الخلل، وتكرّس منطق تدبير الأزمة بدل مساءلة المسؤولين عنها.
مسؤوليات تنفيذية مباشرة
تفيد معطيات متقاطعة من مصادر مطلعة أن رئيس تقسيمة الماء داخل الشركة الجهوية متعددة الخدمات كان المسؤول المباشر عن تنفيذ وتتبع عدد من صفقات إعادة تأهيل الصرف الصحي، بما يشمل الإشراف الميداني، المصادقة على مراحل الإنجاز، والتوقيع على محاضر التسلم المؤقت والنهائي.
وتتحدث المصادر ذاتها عن معطيات خطيرة يجري تداولها، تفيد بوجود طوابع وحواسيب تعود لشركات نائلة للصفقات داخل مكتب هذا المسؤول، واستعمالها في تحرير وثائق وتوقيع محاضر مرتبطة بالأشغال، بدل الممثلين القانونيين لتلك الشركات.
وإذا ما ثبتت صحة هذه المعطيات، فإنها تطرح شبهة تلاعب وتواطؤ وتضارب مصالح تمس نزاهة الصفقات العمومية.
مسؤولية إدارية لا يمكن تجاوزها
في المقابل، لا يمكن فصل هذه الاختلالات عن مسؤولية المدير العام السابق للشركة، باعتباره المسؤول الأول عن تدبير هذه الأوراش خلال المرحلة المعنية، وضامن منظومة المراقبة الداخلية واحترام معايير الجودة.
ويثير متابعون تساؤلات حول التركيز على الترويج لشعارات الحكامة وشهادات الجودة، في وقت كانت فيه أوراش حيوية تُنجز دون تتبع صارم، لتنكشف هشاشتها سريعاً بعد الأمطار.
مطلب المحاسبة
الضحية في النهاية هو المواطن، الذي يؤدي الضرائب ويواجه اليوم طرقاً غير آمنة، في مدينة كان يفترض أن تستفيد من استثمارات تحميه لا أن تهدده.
ويرى فاعلون محليون أن الوضع يستدعي تحقيقاً تقنياً ومالياً مستقلاً لتحديد المسؤوليات دون انتقائية، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيداً عن سياسة الترقيع وتغييب الحقيقة.
فالعرائش ليست حقل تجارب، والمال العام ليس قابلاً للهدر، وصمت المؤسسات أمام هذه المؤشرات الخطيرة يزيد من فقدان الثقة ويؤجل العدالة بدل تحقيقها.
