رضا الطاوجني يكشف علاقة حيجاوي وجيراندو…سقوط «الوكيل المنفلت»: التفاصيل الكاملة لقصة مهدي حجاوي من زوايا الظل إلى المكاشفة القضائية
سقوط «الوكيل المنفلت»: التفاصيل الكاملة لقصة مهدي حجاوي من زوايا الظل إلى المكاشفة القضائية
سياسي/ الرباط
في الوقت الذي كانت فيه شبكات التواصل الاجتماعي تغلي بسجالات متضاربة وإشاعات منسوجة بحذر حول هوية ودور مهدي حجاوي، جاء الخروج الإعلامي للفاعل والناشط، اليوتوبرز، رضا الطاوجني ليرمي بحجر ثقيل في المياه الركودة، مزيحا الستار عن واحدة من أكثر قضايا التضليل وازدواجية الأدوار تعقيدا في المشهد الأمني والسياسي المغربي.
لم تكن شهادة الطاوجني مجرد محاولة لتبرئة الذمة أو رد على استفسارات النخب والصحفيين، بل جاءت بمثابة عملية جراحية قيصرية عرّت بالتفاصيل والأسماء الدقيقة السقوط الأخلاقي والعملياتي لشخصية اتخذت من «المناورة المزدوجة» مذهبا للتكسب وتغطية خطايا الماضي.
لتفكيك القصة من جذورها، كان لا بد من تصحيح البنية الهيكلية لطبيعة وجود حجاوي داخل أروقة المؤسسات. فعلى عكس ما روجه البعض أو ما حاول حجاوي نفسه إشاعته لتبني هالة من الهيبة والسلطة، كشفت المعطيات الموثوقة أن الرجل لم يرتد يوما الزي العسكري، ولم ينتم إطلاقا إلى سلك الأمن الوطني أو القوات المسلحة الملكية، بل كان مجرد كادر «مدني» مر في فترة سابقة عبر المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) – المعروفة بالمخابرات الخارجية.
هذا التفصيل الشكلي يحمل في عمقه الاستخباري أهمية بالغة؛ فالصفة المدنية منحته مرونة الحركة وسهولة النسج الاجتماعي، لكنها في المقابل جردته من الانضباط العسكري الصارم.
ومن هذه المساحة الرمادية بين صفة “العنصر السابق” وطموح “الفاعل الميداني”، بدأ حجاوي يُشيد نفوذا وهميا وشبكة علاقات امتدت لأكثر من 16 سنة، استغل فيها ثقة المقربين منه ؛ ومنهم الطاوجني نفسه ؛لتأسيس غطاء من الصداقة العائلية والوطنية الراديكالية.
تكمن حبكة الدراما في هذا الملف في تلك الفجوة السحيقة بين ما كان يظهره حجاوي وما كان يضمره ويُمارسه.
ففي الجلسات المغلقة والمكالمات الخاصة مع حلفائه، كان الرجل يرتدي مسحوق الوطنية الشديدة، مظهرا دفاعا مستميتا عن الثوابت الوطنية والشعار الخالد «الله، الوطن، الملك»، معلنا ولاء مطلقا للمؤسسة الملكية.
هذا الخطاب لم يكن مجرد قناعة، بل كان تكتيكا استباقيا لبناء جدار حماية نفسية وسياسية يمنع أي شك في تحركاته.
لكن زلزال «أطلس هاكرز» وما تسرب من محادثات سرية ألقى بالقناعة جانبا؛ إذ فوجئ الرأي العام والدوائر المقربة بأن الشخص ذاته الذي كان يزايد بالوطنية، هو نفسه الذي يتحدث بأسلوب يتضمن افتراءات وتطاولا صريحا على الملك والعائلة الملكية وولي العهد.
لقد انكشفت اللعبة المزدوجة بوضوح: الوطنية كانت مجرد “بضاعة” لترويج الذات داخل المغرب، بينما كان السخط والتطاول “عملة” يتداولها في كواليس معارضي الخارج.
ولم تتوقف ازدواجية حجاوي عند حدود الخطاب السيادي، بل امتدت لتشمل هندسة صراعات الميديا البديلة في الخارج، وتحديدا في علاقته بالناشط المبحوث عنه هشام جيراندو.
في المحادثات الهاتفية الخاصة مع رضا الطاوجني، كان حجاوي ينهال على جيراندو بأقدح العبارات وأحط الأوصاف، واصفا إياه بالشخص المندفع والمحكوم بأهوائه. لكن في الكواليس، أظهرت التسريبات أن حجاوي كان يقوم بـ “شحن” جيراندو وتزويده بالبيانات والمعلومات الزائفة، ليدفعه إلى مهاجمة مؤسسات وأشخاص بعينهم.
كان حجاوي يمارس دور “المحرك من خلف الستار”، يستخدم جيراندو كمخلب قط لتصفية حسابات شخصية أو لإيجاد أوراق ضغط، بينما يمارس أمامه دور الخصم الرافض لسلوكه.
أحد أكثر جوانب الحكاية خطورة وإثارة للذهول هو تلك المقترحات العملياتية الشاطحة التي كان يطرحها حجاوي على معارفه.
فالرجل، الذي كان يدرك أنه ارتكب أخطاء جسيمة خلال فترة وجوده في المغرب وفي الجهاز الذي كان ينتمي إليه، كان يبحث عن “طوق نجاة” أو “صك غفران” يُعيده إلى الرضا الرسمي.
ولتحقيق ذلك، بدأ يتصرف بفضول وبطريقة “العنصر المنفلت” الذي يعرض خدمات قذرة دون تكليف رسمي؛ تتراوح بين سيناريو «الاستدراج الإقليمي» عبر إغراء جيراندو بصفقات تجارية وهمية مستغلا شغفه بالمال لاستدراجه نحو دول كالإمارات أو السعودية أو إفريقيا وتسليمه للشرطة، وبين سيناريو «عملية سعد لمجرد» في فرنسا أو كندا لاستدراج جيراندو عبر جلسات النساء والكحول والدفع بامرأة لتوجيه تهمة اغتصاب كيدية له تليها شكاية ثانية لإغراقه في وحل القضاء وتدمير سمعته نهائيا. هذه المقترحات لم تكن سوى أوهام شخص يحاول إثبات الكفاءة عبر أساليب هوليودية مجردة من أي شرعية أخلاقية أو قانونية، وهو ما دفع الطاوجني ؛ حسب شهادته ؛ إلى رفض الدخول فيها ونُصحه بالابتعاد عنها.
مع استمرار انكشاف التسريبات وتسارع تساقط الأوراق، أدرك رضا الطاوجني أن حجم المأساة تجاوز حدود النسيج الاجتماعي والصداقات الشخصية، ليتمحور حول أمن الدولة وسمعة مؤسساتها.
وهنا جاءت الخطوة الفصل: توجه الطاوجني رسميا إلى النيابة العامة، ووضع نفسه والمعطيات والمكالمات التي بحوزته تحت تصرف وكيل الملك.
بهذه الخطوة القضائية، انكسرت الدائرة المغلقة، وانتقل الملف بضربة قاضية من مسرح الحروب الرقمية والتسريبات إلى المربع الجنائي والسيادي الحاسم.
لقد تجرد مهدي حجاوي من كل أقنعته: فلا هو الضابط العسكري الخبير، ولا هو الوطني الشريف، ولا هو العقل المدبر الحصين؛ بل ظهر كـ “فاعل منفلت” سقط في فخ مناوراته المزدوجة، تاركا خلفه درسا بليغا في أن العبث بملفات الوطن وأمنه لا يُنتج سوى السقوط المريع في هاوية الحساب والمساءلة.
إن السقوط المريع لمهدي حجاوي لا يمثل مجرد انكشاف لفاعل منفلت أخطأ الحسابات، بل يمثل إدانة تاريخية وأخلاقية كاملة الأركان لشخص تجرد من أدنى مقومات الشرف وأخلاقيات المواطنة.
لقد أثبتت الوقائع الدامغة أننا أمام بروفايل يختزل أبشع صور المتاجرة بالمبادئ؛ شخص استرخص الثوابت الوطنية، وجعل من مقدسات البلاد مجرد قناع زائف يرتديه لابتزاز المحيطين به وتغطية تجاوزاته وسجله المليء بالأخطاء.
إن خيانة العهد لا تتوقف عند حدود السلوك الفردي، بل تتضاعف خطورتها عندما يسعى صاحبها إلى إقحام مؤسسات الدولة وسيادتها في شباك مناوراته القذرة ومخططاته المتهورة، مبتغيا صناعة نفوذ وهمي على حساب سمعة الوطن وأمنه القومي.
إن تجريد حجاوي من أقنعته ووضعه أمام المربع الجنائي والسيادي يبعث برسالة صارمة لا تقبل التأويل: إن الوطن ومؤسساته لأكبر من أن تكون مطية للمغامرين أو ساحة لتجار المواقف، وأن هاوية العزلة والخزي القضائي والتاريخي هي النهاية المحتومة لكل من يتوهم أن بإمكانه اللعب على جراح الوطن ورهاناته السيادية.

