فنجان بلا سكر: لا ديموقراطية بدون مقرات… ولا سياسة بدون أحزاب
بقلم: عبد الهادي بريويك
في الزمن السياسي المغربي الراهن، حيث تتقاطع ديناميات التحول الاجتماعي مع تموجات اللايقين السياسي، بات غياب المقرات الحزبية ليس فقط مؤشراً على تراجع الوظيفة التنظيمية للأحزاب، بل عنوانًا على تآكل فضاءات الوساطة التقليدية، وتفكك بُنى التأطير الجماعي التي راكمت، لعقود، رساميل رمزية ومؤسساتية في تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إن المقرات الحزبية، في تمثلها السوسيولوجي، ليست مجرد بنيات إسمنتية أو واجهات تنظيمية، بل هي علامات مادية على وجود وسيط جمعي يفترض فيه لعب دور مزدوج: أولاً، تمثيل المطالب الاجتماعية وتصريفها نحو الدولة، وثانيًا، تنزيل السياسات العمومية وتفسيرها محليًا، بما يعيد إنتاج الشرعية بشكل تداولي. ولذلك، فإن اختفاء هذه المقرات يُنذر بانقطاع دورة الوساطة، وارتباك في تمفصل العلاقة بين “السياسي” و”الاجتماعي”.
في المجال المغربي، لا يمكن قراءة هذا التآكل دون ربطه بالتحولات التي مست البنية الاجتماعية – السياسية، سواء من حيث أفول النخب الوسيطة التقليدية، أو بروز فاعلين جدد خارج القنوات المؤسساتية، مثل المؤثرين الرقميين، وشبكات المجتمع الرقمي، والحركات الاحتجاجية غير المؤطرة حزبياً، والتي أعادت تشكيل أنماط التعبير السياسي خارج المنظومة الكلاسيكية للوساطة.
الأحزاب السياسية، كما هي قائمة اليوم، تجد نفسها في وضع مفارق: فهي مطالبة دستوريًا بلعب دور تأطيري وتشاركي في الحياة العامة، لكنها – في الواقع – تواجه أزمة تموقع في الحقل الرمزي، بسبب ضعف مصداقيتها الاجتماعية، وانفصالها عن الحاجيات اليومية للساكنة، وتحولها في العديد من الحالات إلى مجرد أدوات انتخابية ظرفية، لا تراكم المعنى ولا تنتج الفعل السياسي المستدام.
أزمة المقرات، في هذا السياق، ليست فقط نتاجًا لعسر مالي، وإن كان ذلك عاملًا ضاغطًا. بل الأهم أنها تعبير عن انسحاب مادي ورمزي من الفضاء العمومي المحلي، بما يفتح الباب أمام خصوم الديموقراطية التشاركية: الشعبوية، التبخيس، والتطرف الرمزي.
ففي غياب المقر، تغيب المنصة التي كان من المفترض أن تحتضن النقاش العمومي، وحلقات التكوين، والحوار الاجتماعي حول قضايا التنمية والعدالة المجالية.
هذا الغياب، بتراكمه، أعاد إنتاج نمط جديد من اللامبالاة السياسية، تغذيه الانفصالية الرمزية بين التنظيمات السياسية والمجتمع، وتنمو في ظله ثقافة العزوف، التي لم تعد مجرّد موقف سلبي، بل تعبير عن خيبة بنيوية في جدوى المشاركة، وضربٌ في العمق لفكرة المواطنة التشاركية.
وبينما يشدد الخطاب الرسمي على ضرورة تعزيز سياسة القرب، وربط الأحزاب بمحيطها الاجتماعي، تظل البنيات الحزبية – في الغالب – غائبة عن الأحياء، وعن الفضاءات الشبابية، وعن المناطق الهشة، حيث الحاجة ماسّة لتدخلات سياسية تأطيرية قادرة على الإنصات والتفاعل وإعادة الاعتبار لثقافة الانخراط.
من منظور علم الاجتماع السياسي، فإن المقر الحزبي هو موقع رمزي لإنتاج الشرعية والهوية السياسية، وغلقه ليس حدثًا إداريًا، بل فعل نفي سياسي يعكس التواطؤ غير المعلن بين أزمة الدولة في تفعيل نموذج ديموقراطي تشاركي، وأزمة الأحزاب في تجاوز منطق “الزبونية الانتخابية” إلى أفق “الوظيفة التكوينية والسياسية”.
إن الدولة، في هذا الإطار، مدعوة إلى تجاوز منطق الدعم التقليدي الذي يقيس “نجاعة الأحزاب” بعتبة التمثيلية الانتخابية، نحو تمويل موجه للفعل التأطيري المحلي، المشروط بالمردودية الاجتماعية والسياسية. وفي المقابل، على الأحزاب أن تعيد التفكير في علاقتها بالأرض، والمجال، والساكنة، عبر تجديد خطابها، وتوسيع قاعدة انخراطها، وتحقيق المصالحة مع الجيل الجديد من المواطنين الذين يتطلعون إلى فعل سياسي متحرر من الشعارات، متجذر في الواقع، ومرتبط بقضاياهم اليومية.
ليس المطلوب فقط فتح المقرات المغلقة، بل إعادة تثمين الفضاء السياسي المحلي، وتطويره إلى ملتقى مفتوح، تشاركي، منتج للمعنى والدينامية، بدل أن يظل رهينًا لموسمية حزبية تُستدعى فقط عند الحاجة إلى “تعبئة انتخابية”.
في الأخير، فإن إنقاذ الديموقراطية من هشاشتها لا يمر فقط عبر إصلاح القوانين، بل من خلال إعادة الروح إلى الوسائط الاجتماعية والسياسية، وعلى رأسها الأحزاب.
لأن اختفاء المقر هو في جوهره اختفاء للصوت السياسي المحلي، وتفريغ للحيز العمومي من مضمونه التشاركي، وهو ما يجعل من المعركة حول المقرات ليست معركة عقار، بل معركة حول المعنى، والهوية، والانتماء السياسي.
