سقوط طهران: اللحظة الأخطر في تاريخ الجماعات المؤدلجة وانكشاف عقود من التواطؤ السري مع الاستخبارات الإيرانية

*سقوط طهران: اللحظة الأخطر في تاريخ الجماعات المؤدلجة وانكشاف عقود من التواطؤ السري مع الاستخبارات الإيرانية*

*فيصل مرجاني*

 

إنّ الحديث عن سقوط النظام الإيراني لا يمكن مقاربته فقط من زاوية التغيير الداخلي في طهران، بل ينبغي تحليله في ضوء شبكة معقّدة من التوازنات الجيوسياسية والعلاقات السرّية التي نسجتها الجمهورية الإسلامية على مدى أكثر من أربعة عقود، عبر دعم وتمويل جماعات عقائدية ذات بنية ثيوقراطية عابرة للحدود، اتخذت من الشعارات الإسلامية الراديكالية واجهة خطابية، ومن التمويل الإيراني العمود الفقري لاستمراريتها التنظيمية والعملياتية.

فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، شرعت طهران في هندسة ما يُشبه “شبكة ظل موازية” مكوّنة من تنظيمات دينية متطرفة، بعضها سنّي الشكل، شيعي الولاء، تعمل في صمت داخل فضاءات اجتماعية هشّة، وتتحرّك تحت عباءة قضايا عادلة ظاهريًا، لتُخفي في العمق ارتباطًا عضويًا بأجهزة الاستخبارات الإيرانية، سواء من خلال التمويل المباشر عبر السفارات، أو عبر التدريب، أو التوجيه الأيديولوجي الذي يجعل من “الولي الفقيه” مرجعًا ضمنيًا حتى خارج السياق الشيعي الصرف.

هذه الجماعات التي تموضعت ضمن محور “الممانعة”، وراكمت رؤوس أموال رمزية بفضل خطاباتها العدائية تجاه الغرب وإسرائيل، تجد نفسها اليوم في مواجهة مأزق وجودي مع اشتداد الضربات الإسرائيلية الدقيقة ضد البنية التحتية العسكرية والأمنية الإيرانية.

فهي لا تخشى فقط انهيار النظام المركزي في طهران، بل ترتعد من فكرة سقوط الأرشيف السري، وانكشاف الوثائق الاستخباراتية التي توثّق علاقاتها المشبوهة بالنظام الإيراني، وهو ما من شأنه أن يُعرّيها أمام قواعدها الجماهيرية، ويُفقدها تلك “الهالة الثورية” التي لطالما بنت عليها مشروعها السياسي.

المثير في هذا السياق، أنّ هذه الجماعات التي ما انفكت تُدين إسرائيل، وتُدين كل شكل من أشكال الردع العسكري الذي تمارسه دفاعًا عن أمنها القومي، لا تفعل ذلك انطلاقًا من قناعة إنسانية أو قانونية، بل مدفوعة بالخوف العميق من لحظة الانكشاف، تلك اللحظة التي ستُفتح فيها خزائن الأسرار الإيرانية، وتخرج منها قوائم الأسماء، والتحويلات المالية، والتعليمات الميدانية، وكل المعطيات التي ستُظهر للعالم حجم التواطؤ بينها وبين طهران، ليس فقط في ما يتعلق بدعم “المقاومة”، بل أيضًا في زعزعة استقرار دول، وبناء نفوذ موازٍ داخل مجتمعاتها.

لقد اعتمدت طهران في مشروعها التوسعي على أدوات ناعمة تارة، وعلى عنف أيديولوجي تارة أخرى، لكنّ رهانها الأكبر ظل قائمًا على فكرة “التخريب المنظم من الداخل” بواسطة وكلاء محليين يتبنّون خطابًا إسلاميًا شعبويًا يخاطب الغرائز الدينية، ويُعيد تشكيل الوعي الجمعي وفق منطق الطاعة العمياء والارتهان للمرجعية الخارجية. ومع كل اهتزاز تتعرض له بنية النظام الإيراني، تصاب هذه الجماعات برجفة سياسية وأمنية، لأنها تدرك أن زوال المركز يعني بالضرورة اهتزاز الأطراف، وسقوط الحاضنة الإقليمية يعني تجفيف منابع الشرعية والتمويل.

وضمن هذا الإطار، يتجلى التنديد المتكرر الذي تبديه هذه الجماعات إزاء العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ بدايتها الأسبوع الماضي ومحاولاتها المتواصلة لنزع الشرعية عن الدفاع الإسرائيلي المشروع، لا يمكن قراءته إلا بوصفه محاولة استباقية لتغطية هواجسها الخاصة، ومحاولة يائسة لتأجيل مواجهة الحقيقة: إنها ليست حركات مستقلة، ولا تنظيمات ذات سيادة سياسية، بل أدوات تنفيذية ضمن شبكة نفوذ إيرانية عابرة للأقطار، تمّ تصميمها لخدمة أجندات تخريبية تتعارض مع استقرار الدول الوطنية، وتُهدد السلم الإقليمي والدولي على حدّ سواء.

وفقا لهذا المنظور، فإنّ أي اختراق محتمل للأرشيف الاستخباراتي الإيراني، عبر العمليات الميدانية، من شأنه أن يُحوّل هذه الجماعات إلى ملفات مفتوحة للرأي العام العالمي، ويعرّيها بالكامل أمام الحقائق الصلبة، ويُسقط عنها كل الأقنعة البلاغية التي لطالما استخدمتها لتجميل ارتباطها العضوي بنظام طهران.

إنها لحظة فاصلة بين خطاب الممانعة وواقع التبعية، بين الشعارات الكبيرة والحقيقة العارية التي تختبئ خلف دهاليز التمويل والولاء والتواطؤ.

وإذا كانت إسرائيل قد تمكّنت خلال الأيام الأخيرة من ضرب منظومات دفاعية ومراكز قيادة استراتيجية داخل إيران، فإنّ المرحلة المقبلة قد تشهد تحولًا نوعيًا يتمثل في تفكيك البنية غير المعلنة لشبكة الحلفاء الإقليميين لإيران، سواء من خلال تعرية خطابهم، أو كشف تورّطهم، أو دفعهم إلى الانكماش والانقسام، بعد أن باتوا عبئًا سياسيًا على أنفسهم، قبل أن يكونوا عبئًا على المنطقة.

وعليه، فإنّ سقوط النظام الإيراني، لن يكون حدثًا محصورًا في حدوده السيادية، بل سيكون لحظة تفكيك شامل لشبكة التخريب التي أنشأها، وسيُسقط الأقنعة عن جماعات ظلت لعقود تدّعي الثورة وهي جزء من منظومة الاستبداد المقنّع. ومن هنا فإنّ الخوف الحقيقي لهذه الجماعات لا ينبع من الضربات الإسرائيلية، بل من احتمال كشف المستور، ومن لحظة الحقيقة التي ستُظهر أنها كانت، في جوهرها، امتدادًا أمنيًا لنظام فقهي عقائدي جعل من الدين أداة لتثبيت الهيمنة، وليس مشروعًا للنهضة أو التحرر.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*