زلة قلم:
الاستثناء التاريخي المغربي لحكومة الغلاء وتدهور المعيشة
بقلم عبد الهادي بريويك
في لحظة تعيش فيها المجتمعات أشد أزماتها الاقتصادية منذ عقود، وتتحرك فيها حكومات العالم لاحتواء موجات التضخم وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي، يبرز المشهد المغربي كنموذج خارج السياق، استثناء ليس في الإنجاز، بل في القصور، استثناء يتجسد في تعايش غريب مع الغلاء، وتدهور غير مسبوق في القدرة الشرائية، وسط صمت رسمي يكاد يكون تواطؤا، وغياب واضح للإرادة السياسية في التصدي للأزمة.
منذ تولي الحكومة الحالية مقاليد السلطة، شهدت الأسعار في المغرب ارتفاعا مستمرا وشاملا، طال المحروقات، والمواد الغذائية، والنقل، والكراء، وحتى أبسط ضروريات الحياة اليومية.
ولئن كانت الموجات التضخمية ظاهرة عالمية بالفعل، إلا أن ما يزيد الوضع المغربي سوء هو غياب أي إجراءات واقعية وفعالة للحد من تداعياتها، إذ اختارت الحكومة الانكفاء خلف شماعة “الظروف الدولية”، متناسية أن الحكومات لا تُقاس بحجم الأزمات، بل بكيفية إدارتها.
في الشارع المغربي، لم تعد الأزمة مجرد أرقام أو مؤشرات اقتصادية، بل واقع يومي ملموس يعيشه المواطن في الأسواق، وفي محطات الوقود، وفي فاتورات الماء والكهرباء، وفي عجزه المتزايد عن تلبية احتياجات أسرته. الآلاف من الأسر المغربية تعيش اليوم على حافة الفقر، بينما الطبقة المتوسطة التي كانت تشكل صمام الأمان الاجتماعي، تتآكل بسرعة، وتتحول تدريجيا إلى طبقة مهمشة، لا تجد ما يكفي لتأمين تعليم وصحة وسكن لائق.
والأدهى أن هذه الأزمة تتزامن مع حالة من الجمود الحكومي، وغياب للخطاب السياسي الواضح، واختفاء شبه تام لرئيس الحكومة عن المشهد العام، وكأن الحكومة لا ترى ما يجري، أو لا تملك ما تقول. الوعود التي قُدمت خلال الحملات الانتخابية، من تحسين المعيشة، إلى الرفع من الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، ذهبت أدراج الرياح، ليحل مكانها واقع من التراجعات، والتقشف غير المعلن، والمساس اليومي بكرامة المواطن.
ومما يزيد من حدة التوتر المجتمعي، هو تفشي الإحساس بعدم العدالة، حيث تظل فئات معينة مستفيدة من الامتيازات، والمضاربات، والاحتكار، في ظل صمت السلطات المعنية، وضعف أجهزة الرقابة.
وفي الوقت الذي تلجأ فيه دول عديدة إلى دعم أسعار المواد الأساسية، أو تقديم مساعدات مباشرة للفئات المتضررة، يصر المغرب على المضي قدما في تحرير الأسعار، دون حماية اجتماعية حقيقية، ودون استراتيجية واضحة لكيفية التخفيف من الأضرار.
هذا الوضع يطرح تساؤلات حقيقية حول معنى الدولة الاجتماعية التي طالما بشرت بها البرامج الحكومية، وحول الدور الذي يجب أن تلعبه السلطة التنفيذية في حماية الاستقرار الاجتماعي.
فحين تفقد فئات واسعة من الشعب الثقة في السياسات العمومية، وتغيب لغة التواصل والمصارحة، تتسع الهوة بين الدولة والمجتمع، وهو ما قد يفتح الباب أمام أشكال من الاحتقان يصعب التحكم فيها لاحقا.
الاستثناء المغربي، الذي طالما كان عنوانا للاستقرار وسط محيط مضطرب، يبدو اليوم مهددا من الداخل، بفعل فشل السياسات، وضعف الأداء، وتراكم خيبات الأمل.
وإذا لم تبادر الحكومة إلى مراجعة حقيقية لنهجها الاقتصادي والاجتماعي فيما تبقى من عمرها ونحن مقبلون على سنة انتخابية، ووضع المواطن في قلب أولوياتها، فإن الأزمة لن تكون مجرد ظرفية، بل مسارا طويل الأمد يقود إلى ما هو أخطر من تدهور المعيشة: تفكك الثقة في المؤسسات، وهو ما لا يُعوّض بسهولة.
