مبارك بدري يكتب… اللائحة الوطنية للشباب: إكرام الميت دفنه

مبارك بدري يكتب… اللائحة الوطنية للشباب: إكرام الميت دفنه

كتبها: مبارك بدري

من يجرؤ اليوم، وقبل انتخابات 2026، على الدفاع عن اللائحة الوطنية للشباب بعد أن انكشف عُوارها للجميع؟

لقد وُلدت هذه اللائحة في خضم حراك 2011 كهدية مُعلّبة من المشرّع للأحزاب، على شكل ثلاثين مقعدًا جاهزًا للشباب دون الأربعين.

قيل لنا وقتها إنها خطوة ستفتح أبواب البرلمان أمام الكفاءات الشابة، وتقطع مع احتكار الوجوه العجوزة، وتُجدد دماء المؤسسة التشريعية. 

لكن ما حصل في الواقع لم يكن سوى استنساخ لأسوأ عادات الريع السياسي، مع إضافة مساحيق تجميل تحت شعار “تمثيلية الشباب”.

في انتخابات 2011 و2016 شاهد المغاربة كيف تحولت اللائحة إلى مرتع لتوزيع الهدايا الحزبية، وكيف صارت بوابة للزبونية والمحاباة.

لا كفاءة ولا نضال ولا احتكاك بالشارع، بل أسماء أنعمت عليها المكاتب السياسية بالعبور المجاني نحو البرلمان.

أي شباب هؤلاء الذين يدخلون البرلمان محمولين على أكتاف الزعامات بدل أصوات الناخبين؟ أليست هذه إهانة للشباب الحقيقي الذي يُصارع في الميدان دون أن يحظى بأي فرصة؟

الأدهى أن بعض المستفيدين من هذه «الغنيمة» خرجوا بعد ذلك ليطالبوا بإعادتها، وكأن المغاربة شعب فاقد الذاكرة! يقولون إن اللائحة رفعت صوت الشباب.

أي صوت هذا الذي لم يسمعه أحد؟ هل غيّرت شيئًا في نسب المشاركة الانتخابية؟ هل أوقفت نزيف العزوف؟ هل صنعت قادة حقيقيين قادرين على مواجهة الوزراء ومحاسبة الحكومة؟ الواقع يجيب: صفر كبير.

كل ما صنعته هو جيل من النواب “المعلّبين” الذين دخلوا البرلمان بقرارات فوقية، وخرجوا منه بذكريات شخصية لا أكثر٫ بإستثناء شخصين أعرفهما عن قرب ويتحملان اليوم المسؤولية الوزارية داخل الحكومة الحالية.

وحين قرر المشرّع لاحقًا إلغاء العمود الخاص بالشباب والإبقاء فقط على لائحة النساء، هل خسر المغرب شيئًا؟ بالعكس، تخلّص من آلية مشوهة كانت تسيء أكثر مما تنفع. واليوم، مع اقتراب انتخابات 2026، يعود نفس الخطاب الممل: «لا ديمقراطية بدون لائحة للشباب»… والحقيقة أن لا ديمقراطية مع مقاعد جاهزة وامتيازات مُعلّبة.

فالشباب الحقيقي لا ينتظر إحسان الأحزاب ولا مقاعد محجوزة، بل يريد التنافس في دوائره، مواجهة الناخبين مباشرة، وكسب ثقتهم بالصوت والبرنامج لا بالريع.

العودة إلى اللائحة اليوم ليست إنصافًا للشباب، بل إهانة لهم.

إنها إعلان صريح أن الأحزاب عاجزة عن تجديد نخبها من الداخل، وعاجزة عن تمكين شبابها في الميدان، فتلجأ إلى أقصر الطرق: مقاعد “الكوطا”.

لكن المغاربة جرّبوا هذه الكذبة من قبل، ولم يخرجوا منها سوى بخيبة أمل ونواب شباب انتهت صلاحيتهم مع انتهاء ولايتهم.

إن كل حديث عن إعادة “لائحة الشباب” قبل 2026 لا يجب أن يُفهم إلا باعتباره محاولة بئيسة لتوزيع الغنائم مرة أخرى.

فالشباب لا يحتاجون إلى مقاعد ريعية، بل إلى مناخ ديمقراطي حقيقي يسمح لهم بخوض المعارك الانتخابية بجرأة واستقلالية. إعادة التجربة السابقة ليس سوى بعث جثة سياسية متعفنة، وكأننا لم نتعلم شيئًا من الماضي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*