عين الخسران

عين الخسران

كتبها: الاعلامي احمد الدافري 

  يجد عشاق كرة القدم المغربية في كل انتصار كروي مغربى مناسبة للتعبير عن فرحهم، بحكم أن الفرح كيفما كان مصدره هو أفضل من الكٱبة والحزن اللذين ينغصان الحياة على الناس.

عشاق كرة القدم المغاربة، عاشوا أمس حالة انتشاء كبير بفوز المنتخب المغربي ببطولة كأس إفريقيا للمحليين التي استضافتها ثلاثة بلدان متجاورة من شرق إفريقيا هي كينيا وتنزانيا وأوغندا، وهي بلدان كلها لم تبلغ نصف النهاية، وأقصيت في ربع النهاية ضد كل من مدغشقر والمغرب والسنغال على التوالي..

مباراة النهاية أجريت في نيروبي بكينيا، وحج الجمهور الكيني بكثافة لمشاهدة المباراة.

 والمثير للانتباه بالنسبة إلى المغاربة بخصوص الجمهور الكيني، هو أن عددا منه كان يشجع المنتخب المغربي بحماس شديد، وكان يرفع الرايات المغربية في عدد من أجزاء ملعب موي الدولي.

هناك من فسر تشجيع الكينيين للمغاربة بكون مدغشقر هي التي كانت قد أقصت كينيا في ربع النهاية بركلات الترجيح. 

لكن الطبيعي هو أن يشجع الكينيون المنتخب الملغاشي بحكم الانتماء المشترك إلى منطقة شرق إفريقيا، والقرب الجغرافي، والثقافة الإفريقية المشتركة، والتوقيت المشترك الذي يعتمده البلدان، والذي يسبق توقيت غرينتش بساعة واحدة، كما أنه لا وجود لأي عداء سياسي بين كينيا ومدغشقر، وهذا عامل هام يساهم في تقريب الملغاشيين أكثر من الكينيين. 

لكن يبدو أن كرة القدم تفعل فعلها في شعوب العالم، وتؤثر على وجدانها، خصوصا الشعوب المتجاورة، التي قد تشتد المنافسة الرياضية فيما بينها إلى حد التأثير على مشاعرها فتتأجج العداوة بينها.

 لو شجع الكينيون منتخب مدغشقر لكان الأمر عاديا وطبيعيا، لكن لم يحدث ذلك. 

ما حدث هو أن مواقع عديدة في شبكات التواصل الاجتماعي أظهرت أن هناك أناسا لا يحملون الجنسية الملغاشية، رغم أنهم لم يكونوا موجودين في الملعب أمس، وكانوا يتابعون المباراة فقط من خلال جهاز التلفزة، فقد كانوا يشجعون منتخب مدغشقر، وظهروا وهم يطيرون فرحا حين سجل المنتخب الملغاشي هدف التقدم في الدقيقة التاسعة، وأصيبوا بالإحباط حين تعادل المنتخب المغربي في الدقيقة 27، ثم تحسٌروا حين سجل المغرب هدف التقدم في الدقيقة 44، قبل أن يعودوا إلى الصراخ الهستيري فرحا بتسجيل مدغشقر لهدف التعادل في الدقيقة 68، لكن هدف الانتصار الثالث الذي سجله اللاعب أسامة المليوي في الدقيقة 80 سقط على رؤوسهم مثل ضربة ساطور، وشعروا كأن كارثة عظمى لحقت بهم، هم الذين لم تكن لهم أية علاقة بأي طرف من طرفي المباراة، سوى حاجتهم في تصريف مشاعر الحقد والكراهية التي غرسها فيهم نظام بلدهم ضد المغرب. 

عجيب هذا المستوى من البغض الذي تكنه فئة كبيرة من الشعب الجزائري للمغرب والمغاربة، وهنا أستند في هذا الحكم على ما هو ملموس وليس على تقديرات وتخمينات. 

نعم هناك جزائريون تربطهم مشاعر ودية بالمغاربة ويعتبرونهم أشقاء. لكن هذه الفئة قليلة، ومعظمهم من المعارضين لنظام بلدهم.

 أما السواد الأعظم منهم، فقد تمكن نظامهم من خلال التضليل الإعلامي والذباب الإلكتروني وعن طريق أكاذيب يتم ترويجها في شبكات التواصل الاجتماعي، بواسطة مأجوربن متخصصين في السب واختلاق الخرافات، أن يصنع لهم قضية كبرى تملأ أدمغتهم، إذ عوض أن ينشغلوا بالمشاكل العويصة التي يعاني منها بلدهم في مختلف المجالات، أصبح محور حياتهم اليومية هو التعبير عن عدائهم للمغرب، ولا شيء ٱخر سوى عداء المغرب. 

في سنة 1982 كان النظام الجزائري في أوج عدائه للمغرب، ولم يكن قد استوعب كيف أن الجيش المغربي استطاع ان ينتصر في معركة استكمال وحدة الأراضي الصحراوية المغربية وأن يسترجع إقليم وادي الذهب الذي كاد أن يؤسس فيه نظام الجزائر دولة تابعة له، قبل أن يعيد الجيش المغربي الأمور إلى نصابها ويطرد ميليشيات البوليساريو من الإقليم بعد حرب طاحنة دارت في منطقة بئر إنزران يوم 11 غشت 1979، تكبدت فيها المليشيات التابعة للجزائر خسائر في العتاد والأرواح وعادت خاسرة وخاسئة لتندوف.

رغم التوتر السياسي الذي كان وقتذاك في أقصى درجاته بين المغرب والنظام الجزائري، احتفل كل المغاربة بانتصار منتخب الجزائر لكرة القدم على منتخب ألمانيا الغربية حينها، في ملعب خيخون بإسبانيا. 

نعم. لقد كانت الأفراح تغمر المغاربة خلال الانتصاربن اللذين حققهما المنتخب الجزائري في تلك النسخة من كأس العالم. 

  أتذكر أن الصحافة المغربية الورقية والإذاعة والتلفزة المغربيين خصصت حينها مقالات وتغطيات لذلك الانتصار الأول الذي حققه المنتخب الجزائري على بلد حامل لكأس العالم، وأصبح لخضر بلومي ورابح مادجر وعصاد وزيدان وفركاني وكندوز ومرزكان ومنصوري ودحلب وقوريشي نجوما في الكرة العالمية يفتخر بهم لمغاربة ويحفظوون أسماءهم.

بل إن هناك من المغاربة من بكوا بسبب المؤامرة التي ألمانيا والنمسا باتفافهما على أن تنتصر ألمانيا على النمسا بهدف واحد لصفر فقط كي تتأهلا معا إلى الدور الثاني بفضل نسبة الأهداف، وهو ما أدى إلى إقصاء منتخب الجزائر ، وكل المغاربة بدون استثناء كانوا يستنكرون داخل المقاهي كيف أن الألمانيين والنمساويين، بعد أن سجلت النمسا هدفا، كانا يلعبان الكرة فقط في وسط الميدان، بدون حماس ولا أية رغبة في التقدم إلى الأمام، مما كشف للجميع أنه كانت هناك نية واتفاق لإقصاء المنتخب الجزائري في المجموعة. 

في نهائيات كأس العالم ذاك، كان المغاربة يتابعون المباريات في المقاهي ويتعانقون كلما سجل المنتخب الجزائري هدفا.

بل أتذكر يوما أنني وأنا ما زلت تلميذا في الباكالوريا، أننا كنا نتابع تلك المباريات في مقهى اسمه “مقهى البريد” يوجد قرب مركز البريد بالمدينة، وكان يتابع معنا المباريات رجل من قدماء المحاربين وأعضاء جيش التحرير، كان معروفا في المدينة، وكان مبتور الساق ويستعمل عكازا في المشي، وأتذكر أنه عندما سجل المنتخب الجزائري هدفا ضد منتخب الشيلي، لم يستطع مقاومة فرحته، فقام من مقعده بدون شعور، ودون أن يتكئ على عكازه، فسقط فوق الزليج، وأسرع الناس داخل المقهى كي يساعدوه ليقوم ويجلس فوق مقعده. 

حدث هذا في سنة 1982. 

 وتكرر موقف الجمهور المغربي من منتخب الجزائر لكرة

 القدم في صيف 2019، وهو تاريخ قريب. 

أتذكر كذلك أنني كنت رفقة افراد أسرتي في الرباط يوم المباراة النهائية لكأس إفريقيا لكرة القدم التي جرت في مصر، والتي خاضها المنتخب الجزائري ضد المنتخب السنغالي. 

وأتذكر أنني شاهدت تلك المباراة في مقهى بشارع محمد الخامس رفقة ابني، وكان كل من في المقهى يشجع المنتخب الجزائري.

وبعد نهاية المباراة بفوز الجزائر بهدف لصفر ونيلها كأس إفريقا للأمم انتشرت مواكب السيارات في الشارع، وكان بعض المحتفلين يخرجون أياديهم من نوافذ السيارات رافعين رايات الجزائر. 

كان ذلك قبل ست سنوات. 

لكن لم يعد ممكنا حدوثه الٱن. 

لأن نظام العسكر الجزائري حقق خلال هذه السنوات الست الأخيرة إنجازا كبيرا لفائدة شعبه. 

هذا الإنجاز هو نجاحه في أن يرفع من شأنه أمام شعبه، بجعل كراهية المغرب والمغاربة عقيدة داخل البلد.

 

لكن لا مشكلة. 

كلما ضاعف عدوك من مشاعر الكراهية ضدك، كلما دفعك إلى أن تعمل أكثر كي تتقدم إلى الأمام، ليظل هو في مكانه، يراقب تقدمك بعين الخسران. 

وهذا ما كان

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*