عندما تتوقف الجلسة… يبدأ الامتحان الدستوري
سياسي: رشيد لمسلم
ما جرى داخل مجلس المستشارين لم يكن مجرد حادث عرضي في مسار تشريعي متعثر، بل لحظة سياسية ودستورية كاشفة لحدود القوة وحدود الشرعية.
توقيف الجلسة العامة المخصصة للمصادقة على قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة هو حدث نادر في الممارسة البرلمانية المغربية، لكنه نادر بقدر ما هو دالّ.
لقد قالت المعارضة والنقابات، بصوت مرتفع هذه المرة، إن التشريع ليس إجراءً تقنيًا يُدار بمنطق الأغلبية العددية، بل فعل سيادي محكوم بروح الدستور ونصه.
وعندما يتعلق الأمر بقانون يؤطر مهنة الصحافة، فإن أي انزلاق نحو الوصاية أو التضييق لا يمكن أن يُنظر إليه كاختلاف عادي في وجهات النظر، بل كمساس مباشر بأحد أعمدة الدولة الديمقراطية.
الإشكال لم يكن في وجود مشروع قانون، بل في الطريقة التي أُريد بها تمريره.
تشبث حكومي بصيغة مغلقة، ورفض فتح باب التعديلات، وتسريع المسطرة في ملف حساس بطبيعته، كلها مؤشرات على خلل في فهم وظيفة البرلمان كشريك في التشريع لا كغرفة تسجيل.
فالدستور لم يمنح السلطة التنفيذية حق فرض النصوص، بل ألزمها بالحوار والتوافق، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالحريات.
وإذا كانت لغة “الجريمة التشريعية” التي استعملتها المعارضة قوية، فإن السياق يفسر حدّتها.
فتنظيم الصحافة ليس شأنًا إداريًا، بل مسألة تتعلق باستقلالية المهنة، وبحق المجتمع في إعلام حر ومسؤول. وأي قانون يُفقد الجسم الصحفي آليات تنظيمه الذاتي، أو يعيد تشكيل مؤسساته خارج إرادته، إنما يفتح الباب لتأويلات خطيرة حول النوايا والمآلات.
التلويح باللجوء إلى المحكمة الدستورية لا ينبغي قراءته كتصعيد سياسي فقط، بل كعودة إلى منطق الاحتكام للمؤسسات.
فالدستور وُضع تحديدًا لمثل هذه اللحظات، حين يختلط السياسي بالقانوني، وتصبح الحاجة ملحّة إلى حكم محايد يفصل في مدى احترام القواعد المؤطرة للسلطة.
أما غياب البث التلفزي للجلسة، فقد زاد الشكوك بدل أن يبددها.
ففي قضايا من هذا الحجم، لا يُطمئن الرأي العام إلا الوضوح والعلنية، لا إدارة النقاش خلف الأبواب المغلقة. فحرية الصحافة لا تُشرّع في الظل، بل في الضوء.
إن ما حدث رسالة بليغة: القوانين الكبرى لا تمر بالقوة، ولا تُفرض بالأرقام، بل تُبنى بالتوافق والثقة.
وإذا كان من درس يجب استخلاصه اليوم، فهو أن احترام الدستور ليس عبئًا على العمل الحكومي، بل شرط أساسي لشرعيته واستمراريته.
فالسلطة التي تُصغي، أقوى من السلطة التي تُصرّ.
