تركيا في سوريا: بين النفوذ والاستنزاف

تركيا في سوريا: بين النفوذ والاستنزاف

بقلم: ليلى موسى

بعد سقوط نظام الأسد بتوافق دولي، وتولي الحكومة الانتقالية زمام الأمور في دمشق، برزت تركيا باعتبارها أحد أكثر اللاعبين الإقليميين اندفاعاً لصياغة المشهد السوري الجديد وفق رؤيتها ومصالحها (المتمثلة بالميثاق الملّي) إلا أن قراءة متأنية لمسار تدخل أنقرة في الشأن السوري خلال الأشهر الماضية تشير إلى أن سوريا قد تتحول بالنسبة لتركيا إلى عبء استراتيجي ومستنقع مكلف، أكثر منها فرصة نفوذ مستقرة كما تتصور دوائر صنع القرار التركية.

ووفقاً لما تؤكده الوقائع على الأرض، فإن أحد أبرز تجليات هذا المسار كان التحريض التركي الواضح لدمشق على التشدد في التعامل مع الملف الدرزي في الجنوب السوري، خلافًا لما تم الاتفاق عليه في اجتماع باكو، حيث رأت أنقرة أن فرض قبضة مركزية صارمة على السويداء يمثل فرصة لإعادة إنتاج نموذج الدولة الأمنية المركزية بما يتناسب مع رؤيتها لمفهوم الاستقرار.

لكن رياح النتائج جاءت معاكسة تماماً لما تشتهيه سُفن أنقرة, إذ تلقفت إسرائيل هذه الفرصة لتوسيع هامش تدخلها في الجنوب السوري، وفرضت شروطًا أمنية جديدة، بينما عجزت تركيا عن تقديم أي دعم عملي لدمشق يغيّر المعادلة على الأرض أو يقلص هامش الحركة الإسرائيلية، وبذلك يكون التدخل التركي قد ساهم، بشكل غير مباشر، في تحقيق المصالح الإسرائيلية في جنوب سوريا.

وفي الشمال الشرقي، تكرر الأمر ذاته في معالجة ملف قوات سوريا الديمقراطية، حيث مارست أنقرة ضغوطاً مكثفة على دمشق لتبني نهج متشدد تجاه قوات (قسد) وتجربة الإدارة الذاتية، انطلاقًا من عقيدتها الأمنية التقليدية التي ترى في أي إدارة منظمة أو كيان كردي منظم تهديدًا وجوديًا لها, غير أن هذه الضغوط أفشلت اتفاقية العاشر من آذار، وأخرت عقد الاتفاق بين دمشق وقسد لمدة عام، وأسفرت عن تأسيس حالة جفاء متصاعدة قد تتطور إلى مواجهة عربية – كردية تحمل في طياتها احتمالات وقوع صدام مفتوح قد يعيد سوريا إلى دائرة الحرب الأهلية، بدلاً من إدماج الكرد ضمن صيغة وطنية جامعة، وذلك استناداً إلى محاولة تركيا استغلال التفاهمات التي جرت في اجتماع باريس.

واللافت أن التراجع المرحلي لواشنطن عن دعم قسد — وهو ما تستغله أنقرة على أكمل وجه — فتح الباب أمام تعزيز الدور الفرنسي الداعم للكرد، وهو تطور استراتيجي لا يصب في مصلحة تركيا التي لطالما سعت إلى تحجيم الدور الأوروبي في الملف السوري، وخاصة الجانب المتعلق بالكرد, كما أن طموحات تركيا في السواحل السورية وخيراتها من الغاز تراجعت بعد أن وقعت شركات أمريكية عقوداً مع دمشق للقيام بهذه المهمة.

لقد أثبتت الأشهر الماضية أن أنقرة تعتمد في تكريس نفوذها داخل المشهد السوري على قنوات متعددة، أبرزها التأثير السياسي والأمني، ومن خلال تيار داخل الحكومة السورية الانتقالية يُنظر إليه على نطاق واسع، في عواصم القرار والإقليم، باعتباره منفذاً للرؤية التركية، وبدعم متواصل من المبعوث الأمريكي توم براك.

وتستخدم تركيا أيضاً أدوات عسكرية تتمثل في الفصائل الموالية لها، التي يُفترض نظرياً أنها تتبع لوزارة الدفاع السورية، لكنها عملياً تخضع بدرجة كبيرة للتوجيه التركي، مما يقوض فكرة السيادة السورية ويكرّس ازدواجية القرار العسكري.

ولا يقتصر التدخل التركي على المؤسسات الرسمية، بل يمتد إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية والديمغرافية في شمال سوريا، من خلال التأثير في بعض أبناء العشائر العربية ودفعهم إلى التحريض ضد الكرد.

هذه الرؤية، وإن كانت توفر لأنقرة أوراق ضغط قصيرة المدى، إلا أنها تحمل مخاطر استراتيجية جسيمة، إذ تزرع بذور صراع أهلي طويل الأمد قد يرتد على تركيا نفسها عبر موجات عدم الاستقرار والنزوح والهجرة والإرهاب والعنف والجريمة والتهريب العابر للحدود.

من زاوية أخرى، يبدو أن تركيا لا تنظر إلى سوريا بوصفها جاراً ترغب في استقراره، بل بوصفها ساحة مفتوحة تُستخدم لتبرير دورها الإقليمي أمام الولايات المتحدة وحلفائها، على اعتبار أن وجود سوريا آمنة ومستقرة قد يقلص الحاجة الغربية للدور التركي في ضبط الحدود, لذلك تبدو أنقرة ضمنياً، غير متحمسة لإغلاق الملفات السورية الكبرى، بل تميل إلى إبقائها مفتوحة بما يضمن استمرار الحاجة إليها كشريك وفاعل إقليمي لا غنى عنه.

ولا تتوقف السياسة التركية عند سوريا فقط، بل تتجاوزها إلى ملفات أخرى في الإقليم.

ففيما يخص إيران، تدرك أنقرة أن القضاء الكامل على الدور الإيراني في المنطقة قد لا يصب في مصلحتها استراتيجياً، وتعي أن خروج إيران من دائرة الاستهداف سيجعلها المرشح التالي على جدول الضغوط الأمريكية – الإسرائيلية، خاصة في ظل سياساتها في ملفات فلسطين وأفريقيا والإسلام السياسي, ومن هنا يمكن فهم حرص أنقرة على بقاء مستوى معين من التهديد الإيراني بما يوفر لها هامش مناورة ويبعد عنها مركز الاستهداف الاستراتيجي.

وانطلاقًا من هذا الفهم، وحتى داخل تركيا نفسها، نلاحظ أنه لا يوجد إجماع حول الملف الكردي وعملية السلام الداخلي, فهناك تيار داخل مراكز القرار التركي يدفع نحو استكمال عملية السلام مع الكرد باعتبارها ضرورة استراتيجية لتثبيت الأمن والاستقرار في الداخل التركي.

في المقابل، هناك تيار سياسي آخر أكثر تشددًا يسعى إلى تعطيل هذا المسار في هذه المرحلة، لأنه يرى في استمرار الصراع ورقة تفاوضية إقليمية وداخلية مهمة, ويعكس هذا الانقسام الداخلي تناقضاً في السياسة التركية تجاه الكرد، وفي السلوك التركي داخل سوريا وفي الإقليم، والهادف إلى إبقاء الأزمات مشتعلة حتى تحافظ تركيا على أهميتها الجيوستراتيجية في المنطقة.

إن تراكم التدخلات التركية في ملفات المنطقة قد يقود، على المدى المتوسط، إلى تشكّل اصطفاف إقليمي– دولي يضع أنقرة في موقع المواجهة، إذ إن سياسات تركيا المتناقضة مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية في ملفات فلسطين والإسلام السياسي والتوسع في أفريقيا وشرق المتوسط، إضافة إلى تدخلها في سوريا وليبيا، قد تدفع واشنطن وتل أبيب وبعض الدول العربية وبدعم جزئي أوروبي الى الوقوف معا لمواجهة الدور التركي.

وفي حال تحقق مثل هذا السيناريو، ستجد تركيا نفسها أمام حلف فعّال يقيّد هامش حركتها الإقليمية ويحوّل طموحها في قيادة التوازنات إلى عبء استراتيجي يضغط على سياستها الخارجية والداخلية في آن واحد.

ويمكن القول إن تركيا تسعى إلى إدارة الأزمات في جوارها أكثر مما تسعى إلى حلها، لأن استمرار التوتر في سوريا، وبقاء التهديد الإيراني، وتنامي خطر التنظيمات المتطرفة، كلها عوامل تعتقد أنقرة أنها تبقيها لاعبًا لا يمكن تجاوزه.

في الجانب الآخر من الصورة، فإن هذا الأمر يحمل في طياته مخاطرة استراتيجية كبرى، إذ إن تراكم الأزمات قد يحوّل سوريا من ورقة نفوذ إلى مستنقع استنزاف سياسي وأمني واقتصادي، ويعيد إنتاج بيئة إقليمية معادية لمصالح تركيا على المدى المتوسط والطويل.

وكنتيجة غير مستبعدة، فإن سوريا، بدلاً من أن تكون بوابة تركيا إلى شرق أوسط متعاون، قد تتحول إلى الساحة التي تعكس محدودية القوة التركية وتناقضاتها الداخلية والإقليمية، وتكشف أن إدارة الفوضى التي تريدها أنقرة لن تكون بديلاً عن صناعة الاستقرار، بل قد تجد تركيا نفسها يوماً ما في مواجهة حلف متعدد الرؤوس لا يمكنها مواجهته، أو أمام تحولات داخلية كبيرة تعيد الاعتبار والدور للمؤسسة العسكرية التركية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*