ين معركة قانون المحاماة وأزمة مجلس الصحافة: لماذا نجح المحامون وتعثر الصحافيون؟
سياسي: رشيد لمسلم
أعاد الجدل الذي رافق مشروع تعديل القانون رقم 28.08 إلى الواجهة سؤال القوة المهنية في المغرب.
فقد واجه المحامون مقترحات اعتبروها ماسة باستقلالهم وبأدوارهم داخل منظومة العدالة، فلجؤوا إلى الإضرابات والوقفات الاحتجاجية، ونجحوا في فرض أنفسهم طرفا مركزيا في الحوار.
ورغم حدة التوتر، ظل النقاش يدور حول تطوير المهنة لا تقويضها، وانتهى إلى استئناف الحوار دون المساس بجوهر استقلال المحاماة.
في المقابل، أثار مسار تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في إطار القانون رقم 90.13، جدلا واسعا بسبب طريقة تشكيله، وطبيعة صلاحياته، وحدود استقلاليته. غير أن قطاع الصحافة لم يُظهر مستوى الضغط نفسه ولا وحدة الموقف ذاتها.
بدا المشهد منقسما وبين مؤيد ومعارض، وبين مؤسسات كبرى وصحافيين مستقلين، ما أضعف القدرة على فرض تفاوض متكافئ أو تعديل المسار بما يحصن المهنة.
يكشف هذا التفاوت عن فوارق بنيوية عميقة:
*أولا* ، وحدة الجبهة المهنية.
المحامون يتوفرون على هيئات موحدة وانخراط إلزامي، ما يجعل أي قرار يهم المهنة شأنا جماعيا لا فرديا.
أما الصحافيون فيتحركون داخل حقل متشظ، تتقاطع فيه الاعتبارات النقابية بالمؤسساتية وبمصالح الناشرين.
*ثانيا* ، وضوح الرهان.
بالنسبة للمحامين، أي تعديل قانوني يُنظر إليه من زاوية تأثيره المباشر على استقلال الدفاع وكرامة المهنة.
أما في الصحافة، فقد اختلط الدفاع عن حرية التعبير بقضايا الحكامة والتمثيلية، فغاب خطاب موحد يربط بين استقلال التنظيم الذاتي وحرية الممارسة.
*ثالثا* ، أدوات الضغط.
المحامون بحكم موقعهم داخل منظومة العدالة يمتلكون قدرة تأثير عملية، إذ ينعكس إضرابهم مباشرة على سير المحاكم، ما يفرض التعجيل بالحوار.
في المقابل، لا يملك الصحافيون أداة ضغط مهنية مماثلة، خاصة في ظل هشاشة أوضاعهم الاقتصادية وتبعيتهم للمؤسسات المشغلة.
النتيجة ليست انتصارا مطلقا لطرف وفشلا كاملا لآخر، بل تعبير عن اختلاف في درجة التنظيم والقدرة على تحويل الاحتجاج إلى مكسب تفاوضي.
لقد استطاع المحامون الدفاع عن حضورهم وفرض موقعهم في طاولة الحوار دون المساس بجوهر مهنتهم.
أما الصحافة، فرغم رمزيتها كسلطة رقابية، فلم تتمكن بالقدر الكافي من الارتقاء إلى مستوى جبهة مهنية موحدة تدافع عن استقلالها التنظيمي بأدوات فعالة.
الدرس الأبرز أن قوة المهنة لا تُقاس فقط برسالتها المجتمعية، بل بصلابة مؤسساتها الداخلية، ووحدة خطابها، وقدرتها على إدارة الخلافات داخليا قبل خوض معاركها خارجيا.
