عزيز اخنوش : الرحيل الذي عرى الوجوه الإنتهازية:
بين نبل المواقف وعقم الانتهازية: عندما يسقط القناع عن ركاب “السفينة المغادرة”
بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين، اكادير، فبراير 2026.
في المشهد السياسي، كما في مدرسة الحياة، هناك صنفان من البشر: صنف يختار الوقوف على أرضية المبادئ والمسافة الموضوعية، وصنف آخر لا يتقن سوى فن “القفز من المركب” قبل أن تلامس مياهه الأقدام.
ما نشهده اليوم من تحول مفاجئ في نبرة البعض تجاه السيد عزيز أخنوش، بعد أن تأكد لهم خفوت بريق السلطة أو رحيل شمس المناصب، ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل هو تمرين فج في الانتهازية السياسية التي تفقد العمل العام نبله وقيمته.
بالأمس القريب، كان هؤلاء أنفسهم يتدثرون بـ “جبة” الرجل، ويصطفون في طوابير الانتظار الطويلة، يمنون النفس بمنصب وزاري، أو مسؤولية جماعية، أو حتى فتات صفقة عابرة.
كانت رؤوسهم مغروسة في الرمال كالنعام، لا تسمع لهم همسا ولا نقدا، بل كان الصمت هو الثمن المقبوض سلفا مقابل “عطايا” محتملة.
أما اليوم، وقد تبين أن الرجل لن يعود لكرسي الرئاسة، تحولت تلك الرؤوس بقدرة قادر إلى ألسنة حداد، تفتقت عبقريتها فجأة في نقد السياسات، والتهجم على الحزب، والتطاول على المحيط.
فهل كانت بصائرهم عمياء طوال سنوات، أم أن “المصلحة” كانت تغطي الأعين؟
إن علاقة المواطن الفاعل، أو الإطار المسؤول، برجل الأعمال أو المسؤول العمومي، لا يجب أن تختزل في منطق “المنفعة والمصلحة”.
شخصيا، آليت على نفسي دائما حتى في سياق العمل أن أخلق تلك المسافة الضرورية؛ مسافة تمزج بين الاحترام المتبادل والنقد البناء.
لم أكن يوما من “المهرولين”، لأنني أؤمن أن قيمة المرء في استقلالية رأيه، لا في حجم الهبات التي يتلقاها.
النقد الحقيقي هو الذي يقال في وجه المسؤول وهو في قمة سطوته، لا الذي ينسج كقصائد هجاء بعد رحيله.
”إن السياسة تصبح مستنقعا عندما تغيب عنها الأخلاق، وتتحول المواقف فيها إلى بضاعة تعرض وتطلب حسب بورصة القوة والضعف.”
إلى الوجوه التي تسللت ليلا من طابور الانتظار القديم لتبحث عن “سيد جديد” أو “مركب بديل”:
إن التاريخ لا يرحم الذاكرة القصيرة.
فالذي يخون اليد التي امتدت إليه بالأمس بمجرد أنها لم تعد تملك ما تعطيه، لن يكون وفيا لأي مشروع مستقبلي.
إننا بحاجة إلى سياسة يمارسها “فرسان” يواجهون بالحق، لا “أشباح” تظهر وتختفي حسب اتجاه الريح.
فبئس السياسة تلك التي تبنى على نكران الجميل، وبئس النقد ذلك الذي يولد من رحم الخيبة الشخصية لا من مصلحة الوطن.
