ستراسبورغ والتعايش الممكن: عودة كاترين تروتمان ومعنى السياسة المنفتحة

ستراسبورغ والتعايش الممكن: عودة كاترين تروتمان ومعنى السياسة المنفتحة

كتبها: الدكتور عبد الله بوصوف

في لحظة سياسية ذات دلالة عميقة، عادت السيدة Catherine Trautmann إلى واجهة التدبير المحلي بانتخابها مجدداً عمدةً لمدينة Strasbourg، بعد مسار حافل امتد لعقود، انتقلت خلاله من قيادة المدينة إلى مواقع المسؤولية الوطنية، ضمن حكومة Lionel Jospin، حيث شغلت منصب وزيرة الثقافة والناطقة الرسمية باسم الحكومة.

غير أن دلالة هذا الحدث لا تقف عند حدود التداول الديمقراطي على السلطة، بل تتجاوز ذلك إلى رمزية أعمق ترتبط بنموذج سياسي ظلّ، لسنوات، عنواناً للانفتاح والتعددية.

فاسم تروتمان يرتبط في ذاكرة كثيرين بمواقف عملية دعمت حضور الإسلام الأوروبي في سياق مدني متوازن، وعلى رأسها دعمها لمشروع مسجد ستراسبورغ، الذي لم يكن مجرد بناية دينية، بل تعبيراً عن اعتراف مؤسساتي بحق المسلمين في الاندماج ضمن الفضاء العام دون تنازل عن هويتهم.

لقد كانت تروتمان من السياسيين الذين فهموا مبكراً أن إدارة التعدد الديني والثقافي لا تكون بالإقصاء أو التجاهل، بل بالاحتضان الواعي والمنظم.

ومن هذا المنطلق، فتحت قنوات التواصل بين الفاعلين المسلمين والمؤسسات الأوروبية، خاصة داخل European Parliament، مستفيدة من تجربتها كنائبة برلمانية، وساهمت في ترسيخ حضور ستراسبورغ كعاصمة أوروبية لا فقط من حيث الجغرافيا، بل من حيث القيم.

ولا يمكن الحديث عن ستراسبورغ دون استحضار مكانتها الخاصة داخل البناء الأوروبي، فهي تحتضن مؤسسات محورية مثل Council of Europe وEuropean Court of Human Rights، حيث تُصاغ المعايير الحقوقية وتُناقش القوانين التي تمس حياة ملايين الأوروبيين. في هذا السياق، يصبح لدور العمدة بعدٌ يتجاوز المحلي، ليطال صورة أوروبا نفسها.

 

إن الخلفية الفكرية والدينية لتروتمان، باعتبارها خريجة كلية اللاهوت البروتستانتي، لم تكن يوماً عائقاً أمام انفتاحها، بل ربما شكّلت أحد منابع رؤيتها القائمة على احترام الاختلاف، وهو ما جعلها تحظى بثقة شرائح واسعة من المجتمع، بما في ذلك مكونات دينية وثقافية متعددة.

 

عودة تروتمان اليوم ليست مجرد عودة شخصية سياسية إلى منصبها السابق، بل هي عودة لنهج في تدبير الشأن العام، يقوم على التوازن بين الهوية والانفتاح، بين الخصوصية والكونية.

وهو درس مهم في زمن تتصاعد فيه خطابات الانغلاق في عدد من المجتمعات الأوروبية.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في الفوز بالانتخابات، بل في القدرة على إعادة بناء الثقة داخل مجتمعات متعددة، وفي تقديم نموذج عملي للتعايش لا كشعار، بل كممارسة يومية.

وفي هذا الإطار، تبدو تجربة تروتمان جديرة بالاهتمام، ليس فقط في فرنسا، بل في مختلف السياقات التي تبحث عن صيغة ناجحة لإدارة التنوع.

تحية تقدير لهذه المسيرة، وللمعاني التي تحملها عودتها، كإشارة إلى أن السياسة، حين ترتبط بالقيم، يمكن أن تكون جسراً بين الهويات بدل أن تتحول إلى ساحة للصراع بينها.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*