بن كيران والخطاب الشعبوي: انحدار اللغة السياسية إلى مستوى الإهانة
أميرة عبدالعزيز / باريس
لم يعد الحديث عن الخطاب السياسي الذي يمثله عبد الإله بن كيران “الامين العام لحزب العدالة والتنمية “مجرد نقاش حول الأسلوب أو البلاغة، بل أصبح مسألة تتعلق بجوهر الممارسة الديمقراطية وحدودها.
فهذا الخطاب، في كثير من تجلياته، لا يكتفي بالتبسيط المُخل أو الإثارة العاطفية، بل ينزلق إلى مستوى أخطر: الإهانة العلنية، وتحقير المخالف، والمسّ بكرامة فئات من المواطنين.
حين يصل الخطاب السياسي إلى حد نعت المعارضين أو حتى عموم الناس بأوصاف مهينة، فإننا لا نكون أمام زلة لسان عابرة، بل أمام نمط متكرر يكشف عن تصور عميق للسياسة باعتبارها ساحة صراع لفظي، لا مجالًا للنقاش العقلاني. في هذا السياق، تتحول اللغة من أداة للتواصل والإقناع إلى سلاح للإقصاء والتشويه، ويصبح الاختلاف في الرأي مبررًا للتجريح الشخصي.
هذا النوع من الخطاب لا يسيء فقط إلى خصومه، بل يُهين الفضاء السياسي والعمومي بأكمله. فحين يسمع المواطن لغة تنحدر إلى مستوى السبّ أو التحقير، فإنه يتلقى رسالة واضحة: السياسة لم تعد مجالًا للأفكار، بل حلبة للشتائم. والنتيجة المباشرة هي تآكل الثقة في الخطاب السياسي، وتراجع احترام المؤسسات، وتطبيع العنف اللفظي كجزء من الحياة العامة.
الأخطر أن هذه اللغة تُنتج عدوى اجتماعية.
فعندما يصدر هذا الأسلوب عن شخصية في موقع مسؤولية، فإنه يفتح الباب أمام تكراره من قبل الأنصار، بل ويُشرعن استخدامه في النقاشات اليومية.
وهكذا، ينتقل الانحدار من مستوى النخبة إلى مستوى المجتمع، ويتحول الاختلاف إلى خصومة مشحونة بالكراهية.
كما أن هذا الخطاب يكشف عن فقر واضح في الحجة. فالسياسي الذي يلجأ إلى الإهانة بدل البرهان، يعترف ضمنيًا بعجزه عن الإقناع العقلاني.
الشتيمة هنا ليست قوة، بل علامة ضعف؛ ليست جرأة، بل هروب من النقاش الحقيقي. فبدل تقديم حلول أو تفسيرات، يتم اللجوء إلى إثارة الغضب أو السخرية لتغطية الفراغ.
في النهاية، لا يمكن تبرير هذا الأسلوب تحت أي ذريعة، سواء بدعوى “العفوية” أو “القرب من الشعب”.
فإهانة المواطنين أو المعارضين ليست تعبيرًا عن الصراحة، بل انتهاكًا صريحًا لأبسط قواعد الاحترام السياسي.
خطاب من هذا النوع لا يخدم الديمقراطية، بل يقوّضها من الداخل، لأنه يُحوّلها من فضاء للنقاش الحر إلى ساحة للفوضى اللفظية، حيث يغيب العقل… ويعلو الصوت فقط.
فأي مستقبل يمكن أن يُبنى لسياسة تُخاطب الناس بالإهانة بدل الإقناع، وتُدير الخلاف بالتحقير بدل الحجة؟
