تصريحات وزير الفلاحة على ضوء الدستور والخطب الملكية
بقلم الأستاذ إبراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
في الوقت الذي يكتوي فيه المواطن المغربي بغلاء أسعار الأضاحي، وما يرافق ذلك من ضغط متزايد على القدرة الشرائية، صرح وزير الفلاحة، وبدون أي ذرة خجل، تحت قبة البرلمان، بأن أثمنة الأكباش تبدأ من 1000 درهم، وهو تصريح لا ينسجم مع الواقع المعيش داخل الأسواق الوطنية، ولا مع الأسعار المتداولة فعليًا بين المواطنين والمهنيين.
إن المؤسسة البرلمانية، باعتبارها فضاءً للرقابة والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تقتضي أن تُقدَّم داخلها معطيات دقيقة وصادقة تحترم ذكاء المواطنين وحقهم في الحقيقة، انسجامًا مع مقتضيات دستور المملكة المغربية لسنة 2011، وخاصة الفصل الأول القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والفصل 154 الذي يجعل المرافق العمومية خاضعة لمعايير الجودة والشفافية والمسؤولية، والفصل 155 الذي يُلزم المسؤولين بمبادئ النزاهة والشفافية واحترام المصلحة العامة.
كما أن هذا التصريح يطرح إشكال الانسجام داخل الخطاب الحكومي نفسه، خصوصًا وأن رئيس الحكومة أصدر، في اليوم ذاته، بلاغًا يتضمن إجراءات للتصدي للممارسات المؤدية إلى ارتفاع الأسعار، بما يشكل اعترافًا ضمنيًا بوجود اختلالات حقيقية في السوق وارتفاع فعلي للأسعار.
وبالرغم من النداءات الملكية المتكررة الداعية إلى الجدية والصدق ومصارحة المواطنين بالحقيقة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضرورة قرب المسؤول العمومي من هموم المواطنين، ومن بينها ما جاء في الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش لسنة 2017:
” … وما معنى المسؤولية، إذا غاب عن صاحبها أبسط شروطها، وهو الإنصات إلى انشغالات المواطنين؟”.
وكذا ما جاء في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة بتاريخ 13 أكتوبر 2017:
” … إن أي مسؤول، كيفما كان موقعه، مطالب بأن يقوم بواجبه على أكمل وجه، وأن يتحلى بالصدق والجدية في العمل.”
وكذلك ما تضمنه الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية العاشرة بتاريخ 11 أكتوبر 2019:
” … إن المرحلة الجديدة التي ندعو إليها، تقتضي تغيير العقليات، والارتقاء بأداء المؤسسات والمسؤولين، واعتماد الشفافية، ومصارحة المواطنين بالحقيقة.”
ورغم كل هذه التوجيهات الملكية السامية، لا يزال بعض المسؤولين، الذين أدوا القسم بين يدي جلالة الملك لتحمل مسؤولياتهم بكل أمانة وإخلاص، لا يجدون حرجًا في مخالفة هذه التوجيهات، واستفزاز المواطنين بمعطيات وتصريحات لا أساس لها من الصحة، ولا تمت بصلة إلى الواقع الذي يعيشه المغاربة يوميًا.
ومن جهة أخرى، فإن فلسفة النظام الداخلي للبرلمان تقوم على تمكين النواب والمستشارين من مراقبة العمل الحكومي على أساس معطيات دقيقة وصحيحة، بما يضمن احترام الوظيفة الرقابية للمؤسسة التشريعية، ويكرس الثقة الواجبة بين المؤسسات والمواطنين، إذ تنص المادة 390 من النظام الداخلي لمجلس النواب، ضمن مدونة الأخلاقيات البرلمانية، على أن أعضاء المجلس مسؤولون عن تصرفاتهم واختياراتهم أمام المواطنات والمواطنين، ويتعين عليهم أن يبنوا مواقفهم وتدخلاتهم على أسس تتسم بالدقة والمصداقية.
وعليه، فإن التصريحات الصادرة عن المسؤولين العموميين، وخاصة داخل المؤسسة التشريعية، لا يمكن أن تبقى بمنأى عن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي كرسه الدستور. وعندما يتم الإدلاء بمعطيات لا تنسجم مع الواقع المعيشي للمواطنين، خصوصًا في قضايا تمس القدرة الشرائية والظروف الاجتماعية، فإن الأمر يقتضي تفعيل الآليات الدستورية والسياسية للمساءلة والمحاسبة، صونًا لمصداقية المؤسسات، واحترامًا لحق المواطنين في المعلومة الصحيحة، وحفاظًا على ثقة المواطنين في المؤسسات.
