ما عندنا زهر.
كتبها: الإعلامي أحمد الدافري
رئيس أركان الجيش الجزائري الحالي، والذي هو الحاكم الفعلي في بلده، عمره 81 سنة، واسمه العائلي شنقريحة.
رئيس جمهورية الجزائر حاليا، والذي ينفذ أوامر رئيس أركان الجيش، عمره أيضا 81 سنة، واسمه العائلي تبون.
اسم شنقريحة يتكون من كلمتين هما كلمة “شنق” وكلمة “ريحة”.
“شنق” هي كلمة مأخوذة من الفعل المحلي الذي يتم استعماله في منطقة اسمها “الأوراس” التي ازداد فيها شنقريحة، وتعني “أمسكَ بشدة وبطريقة ظالمة شخصا من عنقه محاولا خنقه”.
أما كلمة “ريحة” فهي كلمة مشتقة من اللغة العربية الفصيحة وتعني “رائحة”.
ولقب “شنقريحة” يعني حرفياً : “الذي يشنق الرائحة”.
وفقاً للأنثروبولوجيا الثقافية في الجزائر، بعض الألقاب من هذا القبيل كانت في العهد العثماني الذي كان الأتراك يحكمون فيه البلاد، تُطلق عن طريق التندر والسخرية على عائلات لكون أفرادها كانوا يهملون تنظيف أنفسهم، وكانت تنبعث منهم رائحة كريهة.
في دراسة لأصول الألقاب في الجزائر، نجد أن البيئة الجغرافية، والظروف المعيشية، ونمط الحياة اليومية كانت عوامل أساسية في إطلاق التسميات.
ومن منظور أنثروبولوجي، فإنه قبل إدخال الدفاتر الرسمية للحالة المدنية وفق قانون الحالة المدنية الفرنسي عام 1882، لم تكن العائلات في الجزائر الفرنسية تحكمها ألقاب ثابتة.
فقد كان الناس يُعرفون في إيالة الجزائر التركية بصفاتهم الجسدية، أو سلوكياتهم، أو عيوبهم، أو ميزاتهم، حيث إذا تميز شخص بصفة ما تلتصق به تلك الصفة، فتصبح لقبا لأولاده وأحفاده لاحقا.
ومنطقة الأوراس مثل “القنطرة” و”بسكرة”، حيث ولد شنقريحة، كانت في فترة الحكم التركي مناطق شبه جافة، تعاني من شح موارد المياه، ولم تكن الرفاهية الصحية متوفرة للجميع بنفس القدر.
وكان يُطلق على الشخص الذي يُهمل نظافته الشخصية أو تفوح منه رائحة عرق قوية لقب يتعلق بـ “الريحة”.
“شنق” يعني لغوياً “حبس” أو “خنق” أو “علق”.
وفي التعبير الشعبي، يعبر اللفظ عن أن الشخص “خنق من حوله برائحته” أو “حبس الرائحة في ثيابه لكثرة ارتدائها دون غسيل”.
وهكذا، فإن اسم “شنقريحة” يعود بالتندر لجدٍّ من الأجداد، عانى من ظروف النظافة وشح المياه فصارت رائحته “تخنق” أو “تشنق” الأنف، فتحول السلوك اليومي البسيط إلى لقب عائلي تاريخي عبر الأجيال.
هذا على مستوى لقب “شنقريحة” من حيث الإيثومولوجيا وبناء على الأنثروبولوجيا.
أما لقب”تبون”، رئيس جمهورية الجزائر، فهو من الناحية الأنثروبولجية، وبناء على ثقافة منطقة بوسمغون موطن عائلة تبون، فهو له علاقة ب “الموقد” أو “الفرن الطيني” الذي يسمى في تلك المنطقة “تَابُونْتْ”، ويسميه آخرون هناك”التبون” أو “الطابون”، الذي يتم داخله طبخ رغيف الخبز.
الموضع الذي تُدفن فيه النار في منطقة بوسمغون أصل تبون، يُسمى “الطَّابُون” أو “الطَّابُونَة”.
وفي لسان العرب نجد:
“طَبَنَ النارَ يَطْبِنُها طَبْناً”
أي دَفَنَها بالرماد لكي لا تطفأ وتحتفظ بحرارتها.
وفي تونس يقال “خبز الطابونة” للخبز المصنوع في الموقد.
وهكذا، فإن كلمة تبون مشتقة من “الطَّابُون” أو “تَابُونْتْ” (الموقد/الفرن الطيني)، وهو لقب يدل مباشرة على “المهنة أو الحرفة”، ويعني لغوياً وسوسيولوجياً: “الخَبَّاز”، أو “الفرَّان”، أو “صانع الأفران الطينية”.
لدينا إذن شخصان.
لدينا شخص أول “كريه الرائحة” كان جنديا بئيسا أرسله بوخروبة كي يحارب المغرب رفقة مرتزقة البوليساريو في أمكالة بالصحراء المغربية سنة 1976، فأسره فرد واحد من الجيش المغربي أصله من الريف، وتم تصويره وهو أسير ذليل مهان، قد أصبح اليوم يتحكم في بلده.
ولدينا شخص ثانٍ اسمه مشتق من “الطابون”، تقاعد عن السياسة والعمل الحكومي في عام 1992، بعد أن شغل منصب وزير منتدب مكلف بالجماعات المحلية في حكومة أحمد غزالي (1991-1992).
وغادر العاصمة واستقر برفقة عائلته في ولاية أدرار البعيدة بالجنوب الجزائري ابتداءً من عام 1994، مستفيداً من التقاعد الوظيفي.
وهناك تعرف عليه بوتفليقة الذي كان يذهب لأدرار كي يتبرك بأحد الشيوخ داخل زاويته، وحين أتى العسكر ببوتفليقة إلى رئاسة الجمهورية سنة 1999 قام هذا الأخير بتعيينه وزيرا للاتصال والثقافة في إطار سلوك سياسي يقوم على الصحبة، وعلى رد الدين المتمثل في فضائل الأيام التي كان يقضيها بوتفليقة في ضيعة تبون في أدرار حين كان يذهب للتبرك فيها بالشيخ الذي كان يقرأ عليه التعويذات في إطار ما يسمى بالرقية الشرعية، قبل أن يصبح تبون عام 2000 وزيرا منتدبا مكلفا بالجماعات المحلية بأمر من بوتفليقة، وذاك بعد أن فشل في منصبه الوزاري الأول الذي لم يستمر فيه إلا سنة واحدة، ليترقى بعد ذلك سنة 2001 وزيرا للسكن والعمران وهو المنصب، الذي فشل فيه ولم يعمر فيه أكثر من سنة، ليتم بعدها طرده من الحكومة بسبب عدم كفاءته، لكن علاقته القوية ببوتفليقة التي كانت متأثرة بذكريات الليالي الملاح تحت رعاية الشيخ محمد بلكبير صاحب زاوية أدرار الشهيرة، جعلته يعود إلى الحكومة عام 2012 وزيرا للسكن بعد انقطاعه عشر سنوات عن العمل السياسي والحكومي، قبل أن يعينه بوتفليقة الذي كان مشلولا عاجزا عن النطق والكلام وزيرا أول، أي رئيس وزراء، عام 2017، وهو المنصب الذي بقي فيه ثلاثة أشهر فقط، قبل إقالته، وقبل أن يعيده الجنرال القايد صالح رئيس هيئة أركان الجيش إلى الحكم ليصبح رئيسا للجمهورية بدل صديقه بوتفليقة الذي غادر منصبه سنة 2019، وليصبح التبون منذ ذالك التاريخ رئيسا للجمهورية إلى الآن، بعد ما قام “شنق الريحة” بتصفية القايد صالح وعقد اتفاقا مع التبون على أن يبقى خادما مطيعا له في كل الأمور، وخصوصا في تنفيذ أجندة محاربة العدو الكلاسيكي الذي أسره في حرب امكالة سنة 1976.
هذان الشخصان الفاقدان لأدنى قدرة على التفكير النبيه، العجوزان، اللذان إن كانا في بلد يحترم نظامه شعبه لكانا متقاعدبن ينتظران الوفاة، هما الموجودان اليوم على رأس نظام بلدهما، الذي يحارب المغرب بإعلام غبي وبليد، في وقت لا يستطيعان فيه توفير حتى عجلات السيارات لشعب يرزح تحت نار القمع وحديد القهر، يلتقط أفراده صورا وهم يبوسون عجلة جديدة سمح لهم نظامهم باقتنائها،
إنه أمر مؤسف وغريب.
عوض أن يكون لديك عدو صلب وذكي، تجد بجوارك نظام يحكمه “شنق الريحة” ويرأسه “التبون”، يحاربك حربا غبية مثيرة للسخرية، بواسطة إعلام لا يمكن أن تعثب على أغبى منه في أي مكان وفي أي زمان.
يا لحظنا العاثر !!
ما عندنا زهر.
وهذا ما كان.
