المضهوسة بين دفء العائلة وبرودة الحسابات الانتخابية
سياسي: رشيد لمسلم
في منطقة الغرب، ليست “المضهوسة” مجرد أكلة شعبية عابرة، بل طقس جماعي يحمل من الدفء ما يحمله الخبز الساخن من رائحة الأرض، ومن المعاني ما يفوق مكوناتها البسيطة.
هي وجبة تتقاسمها العائلات في لحظات اللمة، وتتحول فيها “القصرية” إلى مساحة للمودة والتضامن، خصوصا حين يُخفى “الدمليج” داخلها، في لعبة رمزية قديمة عنوانها التفاؤل وتقاسم الحظ.
غير أن هذه الأكلة التي ارتبطت بالكرم والحميمية، وقعت اليوم في يد من “يضهسها” سياسيا أكثر مما يطبخها اجتماعيا.
فصار بعض المنتخبين، أو بالأحرى “الكائنات الانتخابية المتنقلة” بين الأحزاب كما تتنقل الطيور الموسمية بين الفصول، يوظفون “المضهوسة” كأداة استقطاب انتخابي سابق لأوانه، في مشهد يخلط بين الولائم والدعاية، وبين الإحسان الموسمي والتسويق السياسي المقنع.
آخر هذه المشاهد، ذلك اللقاء الذي ظهر فيه رئيس معزول، ليس بخطاب دفاعي هادئ، بل بما يشبه “لقاء تنابشي”، اختلطت فيه لغة التبرير بالتنابز، واستُحضرت فيه مفردات “حربش” أكثر مما حضرت لغة المسؤولية السياسية.
فبدل أن يكون اللقاء مناسبة لتوضيح الوقائع للرأي العام، تحول إلى جلسة شد وجذب، تارة باسم المظلومية، وتارة باسم الولاء الشعبي المصنوع على نار “المضهوسة”.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ما تزال “المضهوسة” تحمل ذلك “الدمليج” الرمزي الذي ينصف من يجده؟ أم أن الدمليج اختفى حين دخلت السياسة إلى القصرية؟
في العرف الغرباوي والحسناوي، كان من يجد الدمليج وسط المضهوسة ينال التفاتة رمزية فيها دعابة ومحبة، لا أصواتا انتخابية ولا وعودا موسمية.
أما اليوم، فقد تحولت بعض “المضهوسات الجماعية” إلى تجمعات سكنية متنقلة، تُنظم خارج أي إطار سياسي واضح، ودون ترخيص معلن أحيانا، في وقت يُفترض فيه أن تخضع اللقاءات ذات الطابع العمومي لمقتضيات قانونية وتنظيمية، خصوصا عندما يكون الحضور مكثفا والخطاب ذا حمولة سياسية واضحة.
الأخطر من ذلك، أن هذا التوظيف يُفرغ الثقافة المحلية من معناها الحقيقي.
“فالمضهوسة” التي كانت عنوانا للتضامن الاجتماعي، صارت عند البعض مجرد “عدة انتخابية”، تُوزع فيها الصحون كما تُوزع الوعود، ويُستدعى إليها الناس لا من أجل صلة الرحم، بل لصلة الصندوق.
وإذا كان من حق أي فاعل سياسي التواصل مع المواطنين، فإن السؤال يبقى مطروحا حول الحدود الفاصلة بين العمل الاجتماعي الحقيقي، وبين الدعاية المقنعة تحت غطاء الموروث الشعبي.
لأن احترام الثقافة المحلية لا يكون بتحويلها إلى منصة انتخابية متنقلة، بل بصون رمزيتها من الابتذال السياسي.
فهل تعود “المضهوسة” إلى أهلها، أكلة للّمة والتضامن؟ أم أن “الدمليج” غادر القصرية إلى غير رجعة؟
