من الترحال السياسي إلى التوريث العائلي: هل يُريد “السيمو” تحويل إقليم شفشاون إلى ضيعة انتخابية؟
كتبها: جمال الدين ريان
لم يعد العبث السياسي في المشهد الحزبي المغربي مجرد تصرفات معزولة، بل تحول لدى البعض إلى “كتالوج” عائلي يُكتب بمداد الأنانية السياسية وحب البقاء في الكرسي.
لعل النموذج الصارخ الذي يطفو على السطح اليوم، وتتناقله الصالونات السياسية بكثير من السخط والتهكم، هو التحركات الأخيرة للبرلماني المثيل للجدل محمد السيمو، والتي تكشف عن رغبة جامحة في فرض ابنته مرشحةً برلمانية في إقليم شفشاون.
هذا التوجه يطرح علامات استفهام حارقة حول منطق تدبير التزكيات، ويفضح تحولًا بنيويًا في مسار الرجل: من “الترحال السياسي” بين الأحزاب، إلى “التوريث العائلي” داخل المؤسسات.
شفشاون ليست “ترضية” عائلية
إن محاولة إنزال ابنة السيمو في إقليم شفشاون ليست مجرد مناورة انتخابية عابرة، بل هي إهانة بالغة لذكاء الساكنة وللكفاءات المحلية التي يزخر بها الإقليم.
إقصاء النخب المحلية: تزخر شفشاون بطاقات شابة، وأطر كفؤة، ومناضلين خبروا تضاريس الإقليم وعاشوا هموم ساكنته، ليتفاجأ الجميع بمحاولة “إسقاط مظلي” لعنصر غريب عن بيئة الإقليم السوسيو-اقتصادية.
عقلية “الضيعة”: التعامل مع الأقاليم الجبلية وكأنها دوائر ملحقة أو “ترضيات” عائلية لتوزيع المناصب بين الأبناء والزوجات هو تكريس صريح لريع سياسي مقيت يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل.
لغز القصر الكبير: لماذا لا ينسحب الأب؟
السؤال المنطقي والحاد الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان السيمو واثقًا إلى هذا الحد من كفاءة ابنته ومن رغبتها في “خدمة الصالح العام”، فلماذا لا ينسحب هو من المشهد في معقله بالقصر الكبير ويفسح لها المجال هناك؟
الحقيقة المرة: الرجل لا يريد التنازل عن مكانته، بل يريد “الجمع بين الأختين”؛ الحفاظ على كرسيه ونفوذه في القصر الكبير، وتوسيع الإمبراطورية العائلية بالاستحواذ على مقعد إضافي في إقليم آخر.
إنه الجشع السياسي في أبهى تجلياته، حيث تصبح مصلحة الحزب ومصلحة الوطن مجرد أدوات لخدمة “الـجِـيـنالوجيا” العائلية.
من الترحال إلى الوراثة.. تفكيك العقلية “السيموية”
مسار محمد السيمو يلخص أزمة النخب السياسية التي تعيش على الغنيمة الانتخابية.
بالأمس، كان الرجل رمزًا من رموز “الترحال السياسي”، ينتقل من لون حزبي إلى آخر بحثًا عن التزكية التي تضمن له البقاء.
واليوم، بعد أن أمّن لنفسه موقعًا، انتقل إلى المرحلة “ب” من مخطط الاستدامة: التوريث السياسي.
هذا الانتقال من الترحال إلى الوراثة يكشف عن:
1. غياب الأيديولوجيا:
الأحزاب بالنسبة لهذه العينات ليست فكرًا أو برامج، بل “دكاكين” تُشترى تزكياتها بالمال أو بالنفوذ والمقايضة.
2. خصخصة الشأن العام:
تحويل العمل السياسي من فضاء للنضال والدفاع عن قضايا الشعب، إلى “شركة عائلية محدودة المسؤولية” (SARL) يتم التنازل عن أسهمها للأبناء.
كفى استهتارًا بذكاء المغاربة
إن فرض الأسماء بناءً على “روابط الدم” وليس “روابط الكفاءة والنضال” هو الذي يعمق عزوف الشباب عن السياسة، ويفقد المؤسسات التشريعية ما تبقى لها من مصداقية.
على قيادة الحزب المعني (والتي تتفرج بكثير من الصمت المتواطئ) أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية: هل تحولت الأحزاب إلى مجرد واجهات لتبييض التوريث العائلي؟ وعلى ناخبي إقليم شفشاون الأحرار أن يعطوا ردًا حازمًا في صناديق الاقتراع، ليؤكدوا أن الجبل لن يكون أبدًا ملحقًا إداريًا لعائلة السيمو، وأن زمن “الفيودالية الانتخابية” قد ولى إلى غير رجعة.
