بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية: قراءة أخلاقية وقانونية في نشر مشاهد ذبح الكلاب وأكلها على منصات التواصل

فنجان بدون سكر:

بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية: قراءة أخلاقية وقانونية في نشر مشاهد ذبح الكلاب وأكلها على منصات التواصل

بقلم: عبد الهادي بريويك

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءً واسعًا للإبداع وتبادل الأفكار، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات متزايدة تتعلق بالحدود الأخلاقية للمحتوى المنشور.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للجدل نشر مقاطع تتضمن ذبح الحيوانات، وخاصة الكلاب، أو الترويج لاستهلاك لحومها، لما يثيره ذلك من صدمة مجتمعية وتساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة.

إن أي محتوى يُظهر ذبح كلب أو تقديمه كبديل لشعائر دينية أو مناسبات اجتماعية حساسة لا يمكن النظر إليه فقط من زاوية “حرية التعبير” أو “صناعة المحتوى”، بل يجب تقييمه في ضوء تأثيره على القيم العامة والسلم الاجتماعي. فحرية التعبير، رغم أهميتها، ليست حقا مطلقا يبرر نشر كل ما يثير الجدل أو يستفز مشاعر الجمهور، بل ترتبط بمسؤولية تحترم القوانين والآداب العامة وحقوق الآخرين.

من الناحية الأخلاقية، تمثل مشاهد القسوة على الحيوانات مصدر قلق كبير للمتخصصين في التربية وعلم النفس. فالتعرض المتكرر لمحتوى عنيف أو صادم قد يؤدي إلى تبلد الحس الإنساني تجاه معاناة الكائنات الحية، خاصة لدى الأطفال والمراهقين الذين ما تزال شخصياتهم وقيمهم في طور التكوين.

كما أن ربط الشهرة والإعجابات بالمحتوى الصادم يبعث برسالة سلبية مفادها أن تجاوز الحدود الأخلاقية هو الطريق الأسرع لتحقيق الانتشار.

أما من الناحية القانونية، فإن العديد من الدول تجرم إساءة معاملة الحيوانات أو تعذيبها أو ذبحها خارج الأطر المنظمة قانونيا، كما تفرض قيودا على نشر المحتويات العنيفة أو الصادمة، خصوصا إذا كانت متاحة للقاصرين.

وتختلف العقوبات والتشريعات من دولة إلى أخرى، إلا أن المبدأ المشترك يتمثل في حماية النظام العام والحفاظ على القيم الإنسانية ومنع التحريض على السلوكيات الضارة.

وتزداد خطورة الأمر عندما يرتبط المحتوى بمناسبات دينية أو رموز اجتماعية لها مكانة خاصة لدى الجمهور، إذ قد يُفهم على أنه استهزاء بالمشاعر العامة أو محاولة متعمدة لإثارة الجدل بهدف حصد المشاهدات والتفاعل. وفي هذه الحالة يصبح النقاش متعلقًا ليس فقط بحرية النشر، بل أيضا بأخلاقيات استخدام المنصات الرقمية ومسؤولية المؤثرين تجاه متابعيهم.

إن صناعة المحتوى الناجحة لا تُقاس بحجم الصدمة التي تحدثها، بل بالقيمة التي تضيفها للمجتمع.

فالمبدع الحقيقي هو من يجذب الجمهور بالفكرة الهادفة والمعرفة والإبداع، لا بإثارة الاشمئزاز أو استفزاز المشاعر. ومن هنا تبرز مسؤولية مشتركة تقع على عاتق صناع المحتوى، والأسر، والمؤسسات التعليمية، ومنصات التواصل نفسها، لضمان بيئة رقمية أكثر احتراما للقيم الإنسانية وأكثر أمانا للأجيال الصاعدة.

وفي النهاية، يبقى من الضروري التمييز بين حرية التعبير التي تُثري النقاش العام، وبين المحتوى الذي يتعمد الصدمة والإثارة على حساب الأخلاق والمسؤولية المجتمعية.

فليس كل ما يجلب المشاهدات يستحق النشر، وليس كل ما يمكن تصويره يجب أن يتحول إلى مادة للاستهلاك الجماهيري، خاصة عندما تكون كرامة الكائنات الحية وسلامة النشء وقيم المجتمع على المحك.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*