إلغاء الساعة الإضافية في المغرب.. استجابة لإرادة شعبية أم تمهيد انتخابي مبكر؟
سياسي: رشيد لمسلم
أعلن رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، عن العودة إلى الساعة القانونية للمملكة (توقيت غرينيتش) ابتداء من نهاية صيف 2026، منهيا بذلك سنوات من الجدل الذي رافق اعتماد الساعة الإضافية بشكل شبه دائم منذ سنة 2018. وجاء القرار بعد موجة واسعة من الانتقادات الشعبية والبرلمانية والمدنية التي اعتبرت أن هذا التوقيت ينعكس سلبا على الحياة اليومية للمواطنين، خاصة التلاميذ والموظفين والأسر.
لكن الإعلان عن هذا القرار في هذا التوقيت بالذات يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية مشروعة: هل يتعلق الأمر باستجابة متأخرة لمطلب شعبي ظل مطروحا لسنوات؟ أم أننا أمام خطوة سياسية محسوبة تندرج ضمن التحضير غير المعلن للاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟
مطلب قديم.. واستجابة متأخرة
منذ اعتماد نظام الساعة الإضافية بشكل دائم تقريبا سنة 2018، لم تتوقف الأصوات المطالبة بمراجعته أو إلغائه. وقد تجدد الجدل خلال السنوات الأخيرة مع إطلاق عرائض شعبية وتنامي النقاش داخل البرلمان ووسائل الإعلام حول الآثار الصحية والاجتماعية لهذا النظام الزمني.
كما اعتبرت عدة فعاليات مدنية أن المكاسب الاقتصادية التي تبرر بها الحكومة هذا الاختيار لم تعد مقنعة بالقدر الكافي مقارنة بالكلفة الاجتماعية والنفسية التي يتحملها المواطنون.
والمثير للإهتمام أن الحكومة نفسها كانت، إلى حدود أسابيع قليلة فقط، تؤكد تمسكها بالإطار القانوني والتنظيمي الذي يبرر استمرار العمل بالساعة الإضافية، معتبرة أن الأمر يخضع لاعتبارات اقتصادية وإدارية مرتبطة بالاندماج مع الشركاء الدوليين.
ما الذي تغير بين الأمس واليوم؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه المتابعون هو: إذا كانت مبررات الإبقاء على الساعة الإضافية قائمة منذ سنوات، فما الذي دفع الحكومة إلى التراجع الآن؟
لا توجد، إلى حدود الساعة، معطيات رسمية تفيد بحدوث تحول اقتصادي أو تقني كبير يفرض العودة إلى توقيت غرينيتش.
لذلك تبدو الإجابة السياسية أكثر حضورا من الإجابة التقنية.
فخلال الأشهر الأخيرة تصاعد الضغط الشعبي حول هذا الملف، وارتفعت وتيرة النقاش العمومي بشأنه، كما انتقلت المطالب من مواقع التواصل الاجتماعي إلى العرائض المدنية والأسئلة البرلمانية.
وقد يكون صانع القرار قد خلص إلى أن كلفة الاستمرار في الدفاع عن هذا الإجراء أصبحت أكبر من كلفة التراجع عنه.
بين الإلهاء السياسي والحسابات الانتخابية
يرى بعض المراقبين أن قرارا من هذا النوع قد يستخدم لتخفيف الاحتقان الاجتماعي في ظرفية تتسم بتحديات اقتصادية ومعيشية متعددة، من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تراجع القدرة الشرائية لدى فئات واسعة من المواطنين.
ومن هذا المنظور، قد ينظر إلى إلغاء الساعة الإضافية باعتباره ملفا رمزيا ذا تكلفة مالية محدودة على الدولة، لكنه قادر على تحقيق مكسب نفسي وشعبي سريع لدى الرأي العام.
في المقابل، يذهب آخرون إلى اعتبار القرار جزء من عملية إعادة تموقع سياسي للأغلبية الحكومية قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
فالأحزاب عادة ما تسعى، كلما اقتربت المواعيد الانتخابية، إلى تقديم إشارات إيجابية للناخبين عبر الاستجابة لبعض المطالب الاجتماعية ذات الصدى الواسع، خصوصا تلك التي تحظى بإجماع شعبي شبه كامل.
غير أن الربط المباشر بين القرار والانتخابات يظل في حدود التحليل السياسي، ما دام لم يصدر أي تصريح رسمي يؤكد وجود خلفيات انتخابية وراء هذه الخطوة.
هل يكفي إلغاء الساعة الإضافية؟
بعيدا عن الجدل السياسي، يطرح عدد من المتابعين سؤالا آخر: هل سيؤدي إلغاء الساعة الإضافية إلى تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين؟
الواقع أن أغلب التحديات التي تشغل الرأي العام المغربي اليوم تتعلق بالقدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات العمومية، والتعليم والصحة.
ولذلك، فإن إلغاء الساعة الإضافية قد ينظر إليه كاستجابة لمطلب اجتماعي مشروع، لكنه لن يكون كافيا وحده لتغيير المزاج العام إذا لم يواكبه تقدم ملموس في الملفات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
يبقى قرار العودة إلى الساعة القانونية حدثا سياسيا واجتماعيا مهما لأنه واحدا من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة.
غير أن السؤال الذي سيظل مطروحا هو: هل يمثل هذا القرار انتصارا متأخرا لإرادة المواطنين بعد سنوات من الرفض الشعبي؟
أم أنه جزء من حسابات سياسية وانتخابية بدأت ملامحها تتشكل مبكراً؟
الأكيد أن ما تغير بين الأمس واليوم ليس فقط موقف الحكومة من الساعة الإضافية، بل أيضا حجم الضغط المجتمعي الذي جعل التراجع عن القرار أكثر جدوى من الاستمرار في الدفاع عنه.
