في زمن “الحرب” : أيام جميلة ب MOCKBA الآمنة. 

في زمن “الحرب” : أيام جميلة ب MOCKBA الآمنة

4_ منذ قررت المشاركة، كنت قد اخترت التدخل في محور “التضامن في مكافحة الإرهاب الدولي و مظاهره ” ، و حضرت لهذه الغاية عرضا في حدود سبع دقائق المخولة لي.

في الساعة الرابعة زوالا ، انطلقت أشغال الورشة بحضور أكثر من مائتي مشارك و مشاركة ، كان قد تسجل منهم قصد أخذ الكلمة تسعون واحدا.

منذ وصولي إلى موسكو ، و كلما جالست مشاركا ، عربيا كان أو غير عربي ، كان السؤالان اللذان يتكرران على مسامعي : اتفاقات أبراهام ، و قضية الصحراء المغربية ، و كنت أقدم الأجوبة الكافية الشافية دفاعا عن اختيارات بلدي و قضاياه المصيرية. 

أغلبية غير العرب الذين تقاسمت معهم بعض هذه النقاشات كانوا إما يتفهمون و يقتنعون بتوضيحاتي ، أو يستمرون في طرح أسئلتهم ، و لم أحس قط بأن لأحدهم خلفية عدائية.

و لو كانت لكنت تصديت لها .

و لكن …

لكن بعض العرب المقيمون بصفة دائمة بروسيا ، أو القادمون من الشتاتات ، الشيوعيون يا حسرة ، ممن أكد لي بعض أصدقائي ، بأن إيران قد استطاعت اختراقهم حتى صار ولاءهم لها أكبر من ولائهم لأوطانهم و قضاياهم الأساسية بدعوى نصرتها للمقاومة multi allégeance ، كانت وقاحتهم فوق المحتمل ، وقاحة شعاراتية تافهة ، معدومة الأساس ، التاريخي منه و الفكري و السياسي و حتى الإيديولوجي . 

 من أجل ردعهم ، امتطينا صهوة منطق أحسن وسيلة للدفاع هي الهجوم ، مسلح في ذلك بقناعاتي الضاربة عمقا في الرسوخ بقضايا وطني المصيرية، و بثوابته ، و بمعرفتي الكبيرة بكثير قياداتهم و واقع تنظيماتهم و ولاءاتهم و حقيقة ما يزعمون أنها قضاياهم … و جاب الله التيسير.

و صار “الاحترام متبادل” فيما تبقى من زمن المنتدى.

في خضم هذه المهاترات التي فرضت علي من طرف “الأشقاء” ، كنت أحرص على التدقيق في الهوية الوطنية و السياسية لكل من تحدثت إليه ، باحثا عن “مبعوث لشنقريحة” أو ” جمهورية الوهم” .

حاسة سادسة كانت تنبهني إلى أن أحد من هؤلاء قد يكون تسرب إلى هنا .

و جاءني الخبر اليقين .

يوجد من بين المشاركين ممثل للبوليساريو يدعى “أحمد سالم …” ، في عقده السادس ، مقيم بروسيا ، قاص للشارب ، عاف عن اللحية ، “إسلامي” أكثر منه “شيوعي” ، على الأقل مظهرا ، سيغيب عن أشغال المنتدى مباشرة بعد انتهاء كلمته و ردي عليه ، مقاطعا بذلك كل ما هو سياحة و ترفيه و موسيقى و مسرح و جولات ، من برنامج المنتدى ، و مؤكدا “إخونجيته” التي أسر لي بها مشارك عربي يعرفه حق المعرفة.

لم يخرج النقاش الذي جرى في جلستين مطولتين ( أكثر من اثني عشرة ساعة) ، زوال الأحد و صباح الإثنين ، عن المحاور التي جاءت في العرض المطول لرئيس الحزب الشيوعي الروسي GENNADY ZYUGANOV : الحرب الروسية _ الأوكرانية ، كوبا ، فنيزويلا ، العجرفة الغربية و الأمريكية بالخصوص ، عودة الحرب و الاستعمار الجديد ، و محاولة فرض الأحادية القطبية و حاجة العالم إلى التوازن من خلال التعدد القطبي un monde multi polaire، حرب إسرائيل على فلسطين و لبنان ، الوضع اليمني و السوري و الليبي و السوداني ..، 

علاوة على هذا “المشترك” ، تطرقت مداخلات عدة لقضايا محلية تخص دولا بعينها …

ليظل الجامع بين كل المداخلات هو استنكار عودة الفاشية الجديدة كتهديد للسلم و الأمن، و كتهديد لسيادة الدول ، و كاستعمار جديد ..

و ليظل الناظم هو كيف السبيل للتوحد من أجل عمل مشترك لمواجهة هذا التوحش الإمبريالي الجديد ؟

جغرافيا ، امتدت المداخلات من جنوب إفريقيا إلى البرازيل و الأرجنتين، و من كوريا الجنوبية إلى فنلندا و الهند و أذربيدجان ، و من البيرو إلى فلسطين و لبنان و اليمن ، و من البرتغال إلى ألمانيا و بريطانيا و أرمينيا و مولدوفيا ، و من بيلاروسيا إلى الصين و المجر و تونس و سوريا ، و من فرنسا إلى كوبا و الشيلي و فينزويلا ، و من مصر إلى بوليفيا و الأوروغواي و الإكواتور و الكونغو الديمقراطية..

و المغرب.

التصقت بمقعدي طيلة ساعات النقاش تحسبا لما ستأتي به مداخلة ممثل “البوليساريو” و لو أنني على علم تام ب”كاسيطتهم” / تجارتهم التي صارت بائرة .

من حسن الحظ أن ترتيبي كان وراءه .

نودي عليه ، تحدث بالروسية بنبرة خافتة تكاد لا تسمع ، و كأنه “حشمان” ،مستهلا كلامه بهجوم عنيف على أمريكا و فرنسا اللتين تعرقلان تحقيق شعبه الوهمي لاستقلاله ، معيدا طرح سؤال حقوق الإنسان و مطالبا بتنظيم الاستفتاء تحت إشراف أممي ، معرجا على الجدار و المنطقة العازلة ، مكيلا السباب للمغرب و سلطاته ، و خاتما بشكر روسيا على “تأييدها لحقوقهم المشروعة ” حسب زعمه.

كنت أتوقع تفاعلا ما داخل القاعة .

بشرفي ، لا شيء من ذلك حصل .

و كأنه لم يكن هناك .

و مع ذلك ، no pasaran ، واجبي الوطني ، السياسي و الاخلاقي يقيدني بالرد ..و إلا لم أنا هنا ؟ 

حل دوري .

أشهرت نسخة من القرار الأممي الأخير 2797 الخاص بالصحراء المغربية، الصادر في 31 أكتوبر 2025 ، الذي صوتت عليه 11 دولة بالإيجاب / نعم ( بنما ،المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، الدنمارك ، اليونان ، الصومال، فرنسا ، سلوفينيا ، كوريا الجنوبية،سيراليون ، غويانا) ، و لم تشارك في التصويت عليه دولة واحدة ( الجزائر) راعية البوليساريو/ الوهم ، فيما امتنعت عن التصويت عليه ثلاث دول ( الصين ، باكستان و روسيا الاتحادية ) ، و هو القرار الذي أعدم كل الخيارات ما عدا الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس وحيد و نهائي لأي حل سياسي دائم . 

 و أما الموقف الروسي ( المكذوب عليه من طرف ممثل البوليساريو ) فهو موقف متوازن، ثابت منذ عقود من الزمن ، يؤكد على التزامها بالمسار الأممي، و لم يسبق لها أن حادت عنه دعما للانفصال أو دعما لجمهورية الوهم ، و لعل موقفها بالامتناع عن التصويت على هذا القرار الأممي التاريخي هو موقف من “حاملة القلم” و ليس موجه ضد المغرب. 

ثم إن هذه القضية المفتعلة ليست نهائيا كما يذهب إلى ذلك كثيرون من مخلفات “الحرب الباردة ” ، بل هي مخلفات استعمار غريي ، و أغلب داعمي جمهورية الوهم كانوا من الغرب أساسا ، و ليس من المعسكر الشرقي الذي ظلت قواه الكبرى على حياد دائم .

 و تذكيرا بعلاقات المملكة المغربية بجمهورية روسيا الاتحادية فقد أوضحنا بأن هذه العلاقات تعود إلى منتصف القرن الثامن عشر ( 1777م زمن الملكة فيكتوريا ) من خلال علاقات تجارية ، لتفتح أول قنصلية عامة للإمبراطورية الروسية في مدينة طنجة سنة 1897 ، وصولا إلى إقامة علاقات ديبلوماسية بين المملكة المغربية و الاتحاد السوفياتي في فاتح شتنبر 1958 و اعتراف المغرب بجمهورية روسيا الاتحادية في 30 دجنبر 1991 ، ليتوج هذا المسار الديبلوماسي العريق بزيارتي جلالة ملك المغرب إلى جمهورية روسيا الاتحادية سنتي 2002 و 2016 ، و زيارة فخامة رئيس جمهورية روسيا الاتحادية إلى المغرب سنة 2006 ، و هي الزيارات التي أثمرت اتفاقيات ثنائية للتعاون و الشراكة في مجالات الفلاحة ، و النقل الجوي ، و مكافحة الإرهاب و غسل الأموال، و الصيد البحري ، و الطاقة …

 دولتان على هذه الدرجة من عراقة الصداقة، و متانة التعاون و الشراكة ، كيف يأتي أحدهم اليوم محاولا تزييف التاريخ .

كيف لدولة عظمى عانت و تعاني من محاولات انفصالية أن تدعم الانفصال ؟ 

لحضراتكم واسع النظر و حصافة العقل لتميزوا و تحكموا .

بهكذا ختمنا هذا الجزء من مداخلتنا .

ضمن حضور المنتدى ، كان هناك كثير نساء و رجال دولة ، تحملوا مسؤوليات تشريعية و تنفيذية ببلدانهم ، و يعون معنى أن تخاطبهم بلغة مقررات و قرارات أممية ، و فيهم من يعرف حقيقة قضيتنا الوطنية ، و من ضمنهم من تدخل دفاعا عن وحدة بلده الوطنية و الترابية و سيادتها رافضا كل أشكال التفتيت و التجزئة و الانفصال ..

و منظمو المنتدى أنفسهم و قيادتهم بالخصوص لا تتحرك إلا ضمن الخطوط المرسومة من طرف دولتهم ..

فهل يعقل و الحالة هذه أن ينجر كل هؤلاء وراء هلوسات عافها و عفى عنها الزمن ؟ 

حصل لدي انطباع بتفاعل إيجابي للقاعة مع ما بسطته .

و مع ذلك فمن الحزم سوء الظن .

تفصلنا بضع ساعات على البيان الختامي .

و سنرى .

إلى حلقة أخرى. 

جواد شفيق/ فاس في 26 يونيو 2026.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*