مفارقة الحفظ بين مدرجات موازين ومقاعد الامتحانات: أي أفق للهوية المغربية في زمن “طوطو”؟

مفارقة الحفظ بين مدرجات موازين ومقاعد الامتحانات: أي أفق للهوية المغربية في زمن “طوطو”؟

كتبها: جمال الدين ريان 

أثارت المشاهد القادمة من منصات مهرجان “موازين” بالرباط مؤخراً تساؤلات حارقة وعميقة في أوساط المتتبعين والشأن التربوي بالمغرب؛ فقد ظهر فصيل واسع من الشباب والمراهقين وهم يستردون، بكفاءة عالية وبحماس منقطع النظير، كلمات أغاني “الرابور” المغربي “طوطو”، حافظين تفاصيلها وإيقاعاتها عن ظهر قلب. المفارقة الصادمة، التي لم تخطئها عين الملاحظ، هي أن هذه الفئة الشبابية نفسها كانت قبل أيام قليلة تشتكي وتئن تحت وطأة صعوبة الحفظ والاستيعاب أثناء الامتحانات الإشهادية، وتتذمر من كثافة المقررات الدراسية وصعوبة استرداد المعلومات والمعارف العلمية والأدبية. تطرح هذه الظاهرة علامة استفهام كبرى حول طبيعة الشغف والاهتمام لدى الجيل الصاعد، وتفتح نقاشاً ساخناً حول كيفية الحفاظ على مقومات الهوية المغربية الأصيلة أمام هذا المد الجارف من الثقافة المعاصرة الصاخبة التي يمثلها “طوطو” وأقرانه.

إن تفسير هذه المفارقة لا يكمن في ضعف القدرات العقلية أو الذاكرة لدى الشباب المغربي، بل في “منظومة الجذب” وآليات التلقي.

فالشباب اليوم يجد في موسيقى “الراب” لغة تحاكي واقعه اليومي، وتخاطب هواجسه بأسلوب مألوف ومتحرر من القيود، مما يجعل عملية الحفظ آلية تلقائية مدفوعة بالمتعة والانتماء السيكولوجي للجماعة.

وفي المقابل، تظل المناهج التعليمية في نظر الكثيرين جامدة، تفتقر إلى التفاعلية وتعتمد على التلقين الجاف، مما يخلق هوة سحيقة بين ما يستهويه الشاب في حياته الخاصة وما يُفرض عليه في قاعات الدرس.

من هنا، يصبح الرهان على حماية الهوية المغربية غير مبني على منطق “المنع” أو التباكي على الأطلال، بل على فكرة الاستيعاب والتطوير.

للحفاظ على الهوية المغربية في ظل هذه التحولات، لا ينبغي النظر إلى ظاهرة “طوطو” كعدو مطلق، بل كإشارة إنذار تدعو إلى تجديد أدوات التواصل الثقافي مع الشباب. إن حماية الهوية تتطلب أولاً “مغربة” المحاميل الرقمية والفنية التي يستهلكها الشباب، عبر تشجيع إنتاج فني وثقافي عصري يحمل القيم المغربية الأصيلة من تمغربيت، وتسامح، وتاريخ عريق، ولكن بـأقوال وإيقاعات بصرية وموسيقية تواكب العصر.

لا يمكننا إجبار شاب القرن الحادي والعشرين على استهلاك الثقافة التقليدية بالأسلوب القديم نفسه، بل يجب إحياء التراث وإعادة صياغته في قوالب جذابة، تماماً كما تفعل العديد من التجارب الفنية الناجحة التي زاوجت بين التراث والروح العصرية.

علاوة على ذلك، يقع العبء الأكبر على المنظومة التربوية والإعلامية؛ إذ يتعين على المدرسة المغربية أن تتحول من فضاء للحشو والضغط النفسي إلى فضاء ينمي الحس النقدي والإبداعي، ويزرع الاعتزاز بالهوية الوطنية من خلال أنشطة موازية حية، ومسابقات، ومسرح، وفنون رقمية تضاهي في جاذبيتها المنصات الموسيقية الكبرى.

كما أن الأسرة والمجتمع المدني مطالبان بفتح قنوات حوار حقيقية مع الشباب، لفهم منطلقاتهم ومساعدتهم على التمييز بين الاستمتاع العابر بالموسيقى وبين التمسك بالجذور الثقافية والقيمية التي تشكل عمق الشخصية المغربية.

إن الهوية المغربية تميزت تاريخياً بالمرونة والقدرة على استيعاب الروافد المختلفة دون ذوبان، والرهان اليوم هو تمكين الشباب من “بوصلة ثقافية” تجعله يستمع لـ “طوطو” ويردد أغانيه كظاهرة ترفيهية، دون أن يفقد هويته، ودون أن ينسى أن مستقبله ومستقبل وطنه يُبنى داخل فصول التحصيل العلمي والمعرفي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*