زمن الدولة يتعالى عن الزمن الحكومي والبرلماني 3/3
كتبها: عبد السلام المساوي
1/2 الإنجازات : تراكم دولة وليست حصيلة حكومة ؛
جاء في الخطاب السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وحفظه بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد :
” فكل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل، بكل عزم وروح إيجابية.”
” إن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا.
وإننا نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.”
كتبت سليمة فرجي ” أكد الخطاب الملكي السامي على استمرارية الدولة ، مؤكدا أن الأوراش الكبرى ليست برامج انتخابية لحزب معين، وإنما هي اختيارات استراتيجية للدولة. فالحكومات تتغير، والأغلبيات تتبدل، لكن الدولة تواصل تنفيذ رؤيتها طويلة المدى
نستنتج من ذلك ان الأحزاب مدعوة إلى التنافس في التدبير لا في تغيير الثوابت
والانتخابات ليست مناسبة لإعادة رسم التوجهات الاستراتيجية للمملكة، بل للتنافس حول من هو الأقدر على تنزيلها بكفاءة ونجاعة. وهذا ينسجم مع النموذج الدستوري المغربي، حيث تتقاسم المؤسسة الملكية والحكومة الاختصاصات، مع احتفاظ الملك بقيادة التوجهات الاستراتيجية الكبرى.
كما انها رسالة غير مباشرة للناخبين
الخطاب يوحي بأن تقييم الحكومات يجب أن يكون على أساس جودة التدبير، وليس على أساس نسب الإنجازات الكبرى للدولة. فالعديد من المشاريع التي ستُستثمر انتخابياً هي في الواقع ثمرة تراكمات امتدت لسنوات وتعاقبت عليها أكثر من حكومة.
اما الرسالة للحكومة المقبلة
عندما تحدث عن “إطلاق دورة جديدة… شعارها تحصين المكتسبات ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”، فهو يرسم للحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2026 إطار عمل واضحاً: الاستمرارية مع التطوير، وليس القطيعة مع ما سبق.
إذا وضعنا هذه الرسالة في سياق اقتراب الانتخابات، فإنها تعني أن الخطاب يوجه الأحزاب إلى تجنب المزايدات حول من صنع الإنجازات، لأن هذه الإنجازات هي حصيلة دولة، ويطالبها بأن تقدم للمواطنين حلولاً واقعية في التشغيل، والتعليم، والصحة، والعدالة المجالية، وكيفية تسريع تنفيذ الأوراش الملكية.
لذلك يمكن القول إن الخطاب يحمل رسالة مفادها أن الانتخابات المقبلة لن تكون منافسة حول هوية المشروع الوطني، بل حول الكفاءة في تدبيره وتسريع وتيرة إنجازه. فالشرعية الانتخابية تمنح حق إدارة الشأن العام، لكنها تمارس داخل إطار الاستراتيجية العليا للدولة، التي تضمن الاستمرارية والاستقرار، وهما من أبرز المرتكزات التي شدد عليها خطاب العرش بعد مرور 27 سنة على حكم ملك البلاد جلالة الملك محمد السادس .”
وكتب عبد الحميد جماهري : “لمن يهمهم الامر :لعلكم سمعتم ما ورد في الخطاب الملكي..فهل فهمتم ما فهمناه ؟
1.”إن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”
فلا يجهلن احد على الشعب ويستغل ما تم تحقيقه، على المغاربة له ويخدعهم لينسب ذلك لنفسه ويسلب منهم اصواتهم…
2_ هذه الإنجازات “نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية”في قلبها تدبير سيادي عمره 27 سنة…فمن اراد ان يقدم حصيلة نفسه فليعرض علينا ما حققه من برنامجه..
3_ هذه الانجازات كانت”بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا.”
بعد النظر، عمق الدولة …التقليد الاستراتيجي..سرعة النجاح ولا يمكن ان نضع استراتيجيات الدولة موضع مساءلة او مراجعة مزاجية…
ولعل اجمل ما في الأمر هو ان الملك نبه ان عقل الدولة يعمل بذكاء جماعي وبدن اتكالي على لاشيء متروك للصدفة…لا سر ولا سحر …العمل ثم العمل ثم العمل ! “
2 / 3 ملك في خدمة شعبه ؛
” كما أنني لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي؛ بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم.
واليوم، ومن خلال إلقاء نظرة على ما حققناه سويا، يخالجني مزيج من مشاعر الاعتزاز بالمكاسب المحققة، والتفاؤل بالمستقبل.
إن الأمر لا يتعلق هنا بمجرد إحساس بالرضا عن الذات؛ وإنما هو شعور إيجابي بالثقة والطمأنينة، يعطينا القوة والحافز على مواصلة الجهود. ”
هناك اجماع وطني ، يوحد المغاربة حول ثوابت الأمة ومقدساتها ، والخيارات الكبرى للبلاد ، وأولها ” الملكية الوطنية والمواطنة ، التي تعتمد القرب من المواطن ، وتتبنى انشغالاته وتطلعاته ، وتعمل على التجاوب معها ” ، وثانيها ، مواصلة مواصلة الخيار الديموقراطي والتنموي بعزم وثبات .
يقول جلالة الملك عن الملكية المواطنة ” يعلم الله انني أتألم شخصيا ، ما دامت فئة من المغاربة ، ولو أصبحت واحدا في المائة ، تعيش في ظروف صعبة من الفقر او الحاجة . لذلك أعطينا أهمية خاصة لبرامج التنمية البشرية ، وللنهوض بالسياسات الاجتماعية ، والتجاوب مع الانشغالات الملحة للمغاربة .”
3 / 3 ملكية تدبيرية
على المتتبع للوضع المغربي ، خصوصا الأجانب غير المطلعين على تاريخ المغرب جيدا ويسارعون الى انتقاد الملكية والنظام ، أن يعلموا أن الملكية في المغرب نظام عرف تجارب وأخذ دروس التاريخ .
فالملكية متعددة القرون ” multiséculaire ” تعايشت مع حركات مناوئة ” antagonistes ” وأخرى صديقة عبر تاريخ نشأتها وتطورها ، تفاعلت مع الزوايا واحتجاجاتها ، تعاملت مع بلاد السيبة وبلاد المخزن ، تجنبت الصدامات الخارجية والدولية وتفادت القوى الدولية والاقليمية ….
ان الملكية في المغرب عاشت الاستعمار الاوروبي والحجر الأجنبي ، تفاعلت مع مختلف الايديولوجيات السياسية والأفكار الاجتماعية الانسانية من تصوف وتشيع ومذاهب دينية وسياسية كثيرة ، تجاذبت مع الايديولوجيات اليمينية واليسارية وعاشت على وقع الصراع بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي زمن الحرب الباردة ، تمرست على التعامل مع حركات وأفكار الانفصال ، في محطات تاريخية مهمة ومفصلية ، كلها محطات قوت للملكية ، وشكلت عقلها الباطن بمثابة خزان للأعراف والتقاليد في تدبير العقليات والأزمات ….
ان الملكية تمثل النظام الوحيد الذي جمع ووحد المغاربة حول مشروع وطني لبناء الدولة من منطق مغربي خالص ، في غياب اي تصورات او مشاريع يمينية أو يسارية أو غيرها حقيقية للبناء .
فهي المؤسسة الوحيدة ، التي استطاعت ان توفق بين التاريخ والحاضر من أجل المستقبل ، بدون حسابات شخصية او سياسوية ، والا كان مصيرها كعدد من الأنظمة في فضائنا العربي والثقافي والجغرافي : الاندثار والتفكك والتطاحن الدموي ….
ان الملكية هي المؤسسة الوحيدة التي أتقنت فنون تدبير التناقضات الداخلية والخارجية ، وخلقت توازنا لاستمرار الدولة والمجتمع .
فالملكية المغربية هي ملكية تدبيرية وليست تنفيذية كما يقول البعض ، ذلك ان الملك يضع التصورات الكبرى ويرسم الخطوط العريضة ليس فقط لتدبير مرافق الدولة ومؤسساتها السياسية والاجتماعية وانما أيضا يحدد هوامش التفاعل مع المجتمع ومختلف الأفكار الرائجة فيه….
