خطاب العرش… خارطة طريق لمغرب الثقة والسيادة والمستقبل
سياسي: رشيد لمسلم
ليس خطاب العرش مجرد محطة دستورية سنوية، ولا مناسبة لاستعراض حصيلة المنجزات الوطنية فحسب، بل هو موعد يتجدد فيه التعاقد المعنوي بين العرش والشعب، وتتحدد من خلاله أولويات المرحلة المقبلة، في ضوء رؤية استراتيجية تجعل من المواطن محور التنمية، ومن الدولة القوية والفاعلة ركيزة للاستقرار والتقدم.
وفي خطابه السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربعه على عرش أسلافه الميامين، قدم صاحب الجلالة الملك محمد السادس، قراءة شاملة لمسار المملكة، واضعا أمام المغاربة صورة وطن يواصل ترسيخ حضوره الإقليمي والدولي، رغم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، ومؤكدا أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، وإنما ثمرة رؤية بعيدة المدى، قوامها الاستمرارية في الإصلاح، والجرأة في اتخاذ القرار، والقدرة على استشراف المستقبل.
أبرز ما ميز الخطاب الملكي هو تكريس مفهوم الثقة باعتباره رأس المال الحقيقي للدول.
فالثقة في المؤسسات، والثقة في قدرة الاقتصاد الوطني، والثقة في الإنسان المغربي، تشكل جميعها مرتكزات المشروع التنموي الجديد.
وفي زمن تتراجع فيه نماذج عديدة تحت وطأة الأزمات والاضطرابات، يقدم المغرب نموذجًا يقوم على الاستقرار السياسي، ونجاعة المؤسسات، والاستثمار في القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة.
ولم يكن استعراض المؤشرات الاقتصادية غاية في حد ذاته، بل جاء ليؤكد أن المملكة انتقلت من مرحلة بناء البنيات الأساسية إلى مرحلة ترسيخ السيادة الاقتصادية والصناعية.
فصناعة السيارات والطيران، والهيدروجين الأخضر، والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية والدوائية، ليست مجرد قطاعات اقتصادية، بل تعبير عن إرادة وطنية لبناء اقتصاد قادر على المنافسة، وأكثر استقلالية في مواجهة التحولات الدولية.
وفي المقابل، حرص جلالة الملك على التأكيد أن التنمية الحقيقية لا تقاس بالأرقام وحدها، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين.
لذلك أعاد الخطاب وضع العدالة الاجتماعية، والحماية الاجتماعية، والتنمية المجالية، في صدارة الأولويات، باعتبارها الضمانة الأساسية لتقوية التماسك الاجتماعي وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
كما حمل الخطاب رسالة سياسية عميقة قبل الاستحقاقات التشريعية المقبلة، مفادها أن المشاريع الكبرى للدولة تتجاوز الحسابات الانتخابية والولايات الحكومية، لأنها مشاريع أمة، تُبنى بالتراكم والاستمرارية، ولا ترتبط بالأشخاص أو الظرفيات.
وهي رسالة تؤكد أن التنافس السياسي ينبغي أن يكون حول جودة التدبير وتسريع وتيرة الإنجاز، لا حول التشكيك في الخيارات الاستراتيجية التي أثبتت نجاعتها.
وعلى المستوى الخارجي، جدد الخطاب التأكيد على المكانة التي أصبح يحتلها المغرب كشريك موثوق، قادر على بناء شراكات متوازنة قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وهو ما يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في تعزيز حضور المملكة على الساحة الدولية، وترسيخ صورتها كفاعل مسؤول ومؤثر.
وفي بعده الوطني، وجه الخطاب تحية تقدير ووفاء إلى القوات المسلحة الملكية، والأجهزة الأمنية، ومختلف المؤسسات التي تسهر على أمن الوطن واستقراره، في تأكيد على أن قوة المغرب لا تُقاس فقط بمؤشراته الاقتصادية، بل أيضًا بتلاحم مؤسساته، ووحدة شعبه، والتفافه حول ثوابته الوطنية.
إن خطاب العرش لهذه السنة لا يدعو إلى الاكتفاء بما تحقق، بل يحفز على مضاعفة الجهود واستثمار المكتسبات، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن المستقبل يُبنى بالعمل والانضباط وروح المسؤولية.
وهي رسالة تؤكد أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، يواصل مساره بثقة نحو ترسيخ دولة قوية، واقتصاد تنافسي، ومجتمع متماسك، يجعل من الانتماء الوطني ممارسة يومية ومسؤولية مشتركة، لا مجرد شعار يردد في المناسبات.
وفي عالم تتزايد فيه التحديات، يبقى الرهان الأكبر هو الحفاظ على هذا النموذج الوطني، وتعزيز مناعته، وترسيخ ثقافة المشاركة والإنتاج والإبداع، حتى يظل المغرب وطنا للأمل، وفضاء للتنمية، ونموذجا للاستقرار والاعتدال.
