*الثلاثي غير المقدس*
كتبها: *فيصل مرجاني*
في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023 الإرهابية، لم تعد البيئة الأمنية في الشرق الأوسط تتحرك وفق القواعد التقليدية التي حكمت تفاعلات المنطقة لعقود، بحيث كشفت الحرب التي أعقبت الهجوم عن تحول عميق في طبيعة إدارة التهديدات، بانتقال تدريجي من مفهوم الاحتواء الأمني إلى مفهوم أكثر جذرية ينبني على إعادة تشكيل مصادر التهديد نفسها، وتجفيف قدرتها على إنتاج القوة، وإعادة تعريف مفهوم الردع الإقليمي.
ولعل أهم ما يميز المرحلة التي دخلها الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر هو أن المعالجة الأمنية لم تعد محكومة فقط بالاعتبارات العسكرية التقليدية التي درجت الأكاديميات العسكرية والاستراتيجية ومدارس اقتصاد الحرب على تحليلها، بل نحن أمام بيئة أمنية جديدة تتداخل فيها الحرب النظامية مع الحرب غير النظامية، والاستخبارات مع التكنولوجيا، والضربات الدقيقة مع الحرب السيبرانية، والردع العسكري مع إعادة هندسة شبكات النفوذ الإقليمية.
ضمن هذا الإطار، بعد ما يقارب ثلاث سنوات من ذلك التحول المفصلي، تبدو المنطقة أمام طفرة جيوسياسية نوعية أعادت تعريف عدد من مفاهيم القوة والردع والتهديد، غير أن الأهم بخصوص التجربة الإسرائيلية في التعامل مع التهديدات المتعددة، رغم الجدل السياسي المحيط بها، أصبحت بالنسبة إلى عدد من الفاعلين الإقليميين موضوعا للدراسة والاستخلاص الاستراتيجي؛ كيف يمكن الانتقال من إدارة التهديد إلى تفكيك بنيته؟ وكيف يمكن التعامل مع الجماعات المسلحة ليس باعتبارها أدوات هامشية في النظام الإقليمي بل باعتبارها مكونات قادرة على إعادة إنتاج الحرب نفسها؟
من هنا بدأت تتبلور، بصورة تدريجية، خريطة أمنية جديدة للشرق الأوسط، فحركة حماس لم تعد بالنسبة إلى إسرائيل مجرد تنظيم مسلح في قطاع غزة، وحزب الله لم يعد مجرد فاعل لبناني مسلح، والجماعات المرتبطة بإيران في العراق وسوريا واليمن لم تعد ملفات أمنية منفصلة؛ بل أخذت تقرأ ضمن شبكة واحدة من التهديدات العابرة للحدود، تتقاطع فيها الجغرافيا العسكرية مع الجغرافيا السياسية وشبكات النفوذ والتمويل والتسليح.
على هذا الأساس، تحديدا، يكمن أحد التحولات الأكثر أهمية: انتقال الصراع من استهداف الأذرع إلى محاولة إعادة تعريف بنية القوة التي تسمح لهذه الأذرع بالوجود والاستمرار.
تبعا لذلك، امتد هذا المنطق تدريجيا إلى التعامل مع إيران نفسها، باعتبارها المركز الأكثر أهمية في منظومة إقليمية متعددة المستويات، وبذلك لم تعد المعادلة الإقليمية قائمة على مواجهة دولة بدولة، وإنما أصبحت أقرب إلى صراع على بنية النظام الأمني في الشرق الأوسط، ومن يملك القدرة على تحديد قواعده وحدود القوة داخله.
غير أن التحول الأكثر إثارة للاهتمام لا يكمن فقط في طبيعة العمليات العسكرية، وإنما في رد الفعل الذي بدأ يتشكل لدى عدد من دول المنطقة، بحيث أن الدول التي كانت تراقب لعقود صعود المحاور الإقليمية، وانتشار الميليشيات، وتبدل التحالفات، بدأت تدرك أن قواعد اللعبة تغيرت، ولم يعد السؤال المركزي هو: مع من نقف؟ بل أصبح: كيف نضمن ألا نجد أنفسنا خارج المعادلة عندما يعاد تشكيلها؟ وهنا تظهر أهمية التحولات الجديدة في التحالف الثلاثي بين كل من السعودية وتركيا وباكستان.
إن الحديث عن التعاون الدفاعي بين هذه الدول لا ينبغي أن يقرأ بالمنظار التقليدي للتحالفات الإقليمية لأننا أمام ثلاث دول تنتمي إلى فضاءات جيوسياسية مختلفة، وتحمل تجارب تاريخية وقومية ولغوية ومذهبية وسياسية متباينة، كما أن لكل منها حساباتها الخاصة ومصالحها الوطنية ودوائر نفوذها، رغم ذلك، فإن البيئة الأمنية الجديدة دفعتها إلى الاقتراب من بعضها بصورة يصعب تفسيرها فقط من خلال مفاهيم الهوية التقليدية، لذلك تنطلق فكرة «الثلاثي غير المقدس»، فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط الحديث جعل التحالفات ترتبط غالبا بمفاهيم كبرى تبدو، في أوقات مختلفة، وكأنها تشكل الأساس الطبيعي للشرعية السياسية الإقليمية: القومية العربية، والإسلام السياسي، والمذهب، واللغة، والروابط التاريخية، أو فكرة التضامن الديني والحضاري، لكن التحالفات الجديدة تبدو أقل اهتماما بهذه المحددات وأكثر ارتباطا بمفهوم مختلف: المصلحة الأمنية الاستراتيجية، وهذا التحول ليس فقط تفصيل دبلوماسي بسيط، بل يمكن أن يمثل بداية انتقال من الجغرافيا السياسية التقليدية إلى الجغرافيا الأمنية.
بالتالي، فالشرق الأوسط الذي تشكلت حدوده السياسية بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية العثمانية، والذي عرف لاحقا صعود القومية العربية، ثم المد الإسلامي السياسي، ثم عصر المحاور الإقليمية، يدخل اليوم مرحلة تبدو فيها الدولة أكثر استعدادا لإعادة تعريف علاقاتها الخارجية وفق طبيعة المخاطر التي تواجهها، وليس وفق الهوية التي تنتمي إليها، من هنا، تصبح العودة إلى التاريخ ضرورية لفهم عمق التحول، فمنذ سقوط الخلافة العثمانية، دخلت المنطقة في مسار طويل من البحث عن صيغة جديدة للشرعية والنفوذ، وقد جاءت القومية العربية لتملأ جزءا من الفراغ الذي خلفه انهيار الإمبراطورية، ثم ظهرت لاحقا مشاريع الإسلام السياسي بوصفها محاولة أخرى لإعادة بناء المجال السياسي على أساس عابر للحدود، ضمن هذا السياق التاريخي يمكن فهم جانب من التنافس السعودي-التركي خلال العقود الماضية، خصوصا بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، وما رافق ذلك من صعود تركي إقليمي ومحاولات متعددة لاستعادة النفوذ في المجالين العربي والإسلامي، لذلك لم يكن التنافس محصورا في المجال الدبلوماسي أو الاقتصادي؛ بل امتد إلى إنتاج النفوذ الرمزي والأيديولوجي، واستقطاب النخب الدينية والفكرية، والتأثير في المؤسسات الإعلامية، والقنوات الفضائية، وشبكات العلماء والمفكرين، فضلا عن التفاعل مع الحركات السياسية والدينية الإقليمية والدولية، لقد كانت تلك المرحلة، في جانب منها، حربا على الشرعية الرمزية بقدر ما كانت تنافسا على النفوذ السياسي.
وفقا لهذا، يبدو بأن ما تغير اليوم هو طبيعة التهديد نفسه، فالأمن الإقليمي لم يعد يسمح للدول بالانتظار حتى تتبلور التحولات ثم التعامل مع نتائجها، فالصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيرة، والحرب السيبرانية، وشبكات الوكلاء، والتهديدات البحرية، والجماعات المسلحة، وتداخل الأمن الداخلي بالأمن الإقليمي، كلها جعلت الحدود التقليدية بين «الخطر الخارجي» و«الخطر الداخلي» أكثر هشاشة.
ومن ثم أصبح الأمن، بمفهومه الجديد، شبكة مترابطة لا مجال فيها للعزلة الاستراتيجية، وهذا ما يفسر التحول في سلوك بعض دول المنطقة؛ لقد أدركت أن الانتظار قد يحولها من فاعل إلى متلق، ومن دولة تشارك في صناعة النظام إلى دولة تتكيف مع نظام يصنعه الآخرون، وبتعبير آخر، بدأت تتبلور قناعة استراتيجية جديدة: إما أن تكون جزءا من صناعة التوازن، أو أن تصبح موضوعا لهذا التوازن، ومن هنا يمكن قراءة التقارب السعودي-التركي-الباكستاني باعتباره أكثر من مجرد ترتيبات دفاعية، بل إنه، في جوهره، تعبير عن محاولة مبكرة لفهم شكل النظام الإقليمي الذي يتكون أمام أعين الجميع، فالرياض تملك ثقلا عربيا وخليجيا واقتصاديا ودينيا واستراتيجيا استثنائيا؛ وأنقرة تمتلك ثقلا عسكريا وجغرافيا وسياسيا يجعلها لاعبا يتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى المجال الأوراسي؛ بينما تمتلك إسلام آباد خبرة عسكرية واستراتيجية مختلفة، إلى جانب موقعها الجغرافي وقدراتها الدفاعية، واللافت أن هذه العناصر لا تتطابق، لكنها تتكامل.
هنا تكمن المفارقة، لقد كان منطق التحالفات التقليدية يفترض وجود قدر كبير من التشابه بين أطرافها: تشابها أيديولوجيا أو مذهبيا أو قوميا أو جغرافيا، أما النموذج الذي بدأ يبرز اليوم فيقوم على فكرة أكثر براغماتية: لا تحتاج الدول إلى أن تكون متشابهة كي تتعاون؛ يكفي أن تواجه جزءا من المخاطر نفسها وأن ترى في التعاون وسيلة لزيادة قدرتها على الردع والمناورة، وهذا، إذا استمر وتطور، قد يمثل تحولا مهما في فلسفة الأمن الإقليمي، لأن الشرق الأوسط ربما ينتقل تدريجيا من عصر محاور الهوية إلى عصر شبكات المصلحة الأمنية، وإذا كان القرن الماضي قد أنتج تحالفات تقوم على الأيديولوجيا والقومية والمذهب، فإن القرن الحالي قد ينتج منظومات أكثر مرونة، تتقاطع فيها المصالح دون أن تتطابق الهويات، من هنا، فإن «الثلاثي غير المقدس» لا يعني تحالفا ضد الخصوصيات الدينية أو والهوياتية أو التاريخية، وإنما يعني ظهور منطق تحالفي لا يحتاج إلى شرعية مقدسة كي يصبح قابلا للحياة، إنه تحالف الضرورة الاستراتيجية؛ حيث تحل المخاطر المشتركة محل الهوية المشتركة، وحيث تصبح القدرة على الردع أهم من الانتماء الرمزي، وحيث يتحول الأمن من وظيفة وطنية إلى منظومة إقليمية مشتركة.
لذلك ربما تكون واحدة من أهم سمات المرحلة الجديدة: أن المنطقة لم تعد تنتظر أن يستقر النظام الدولي لكي تتكيف معه، وإنما بدأت بعض قواها تحاول التأثير في شكل النظام الإقليمي الذي سيتولد عنه، في هذه الحالة، إننا إذن، أمام لحظة تتجاوز التحالف الثلاثي نفسه، فالسؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا اجتمعت السعودية وتركيا وباكستان؟ بل ما الذي جعل اجتماعها ممكنا في هذه اللحظة تحديدا؟ وماذا يكشف هذا الاجتماع عن طبيعة الشرق الأوسط الذي يتشكل بعد السابع من أكتوبر؟ وهل نحن أمام تحالف ظرفي فرضته مرحلة أمنية استثنائية، أم أمام النواة الأولى لنمط جديد من هندسة الأمن الإقليمي؟
إذا كانت الإجابة هي الاحتمال الثاني، فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد إعادة ترتيب للتحالفات، بل بداية انتقال تاريخي من النظام الإقليمي الذي عرفناه منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية إلى نظام جديد لم تتضح معالمه النهائية بعد، وعليه، تحديدا تبدأ قصة الثلاثي غير المقدس.
