عندما استضافني كاتب روائي ومسرحي فرنسي من أصل أرجنتيني في إقامته الهادئة بباريس في زقاق بجوار كنيسة ساكري كور (القلب المقدس
تابع
المنشور 2
كتبها: الإعلامي أحمد الدافري
عندما استضافني كاتب روائي ومسرحي فرنسي من أصل أرجنتيني في إقامته الهادئة بباريس في زقاق بجوار كنيسة ساكري كور (القلب المقدس)
——
في اليوم الموالي، أنزلتنا سيارة الأجرة، أنا وخوان بينييرو في قلب دائرة باريس الأولى، أمام عمارة سكنية عتيقة تحمل الرقم 8 بشارع “لا فريلييغ” Rue de la Vrillière، وهو شارع صغير يقع على مرمى حجر من القصر الملكي.
هناك استقبلتنا ليونور فيني Léonor Fini، الفنانة التشكيلية، بأناقة طاغية.
كانت امرأة عجوزا، تظهر على وجهها تجاعيد كانت تخفيها بمساحيق خفيفة.
لكنها كانت رشيقة الحركة.
وكانت رفقتها مساعدتها، وهي سيدة في حوالي الأربعين من عمرها، ملامحها تميل إلى نساء أمريكا اللاتينية الأصليات.
كانت ليونور فيني ترتدي فستانا أبيض فسيحا يكاد يشبه قندورة نسائية مغربية.
وكان فستانها صدى غير مقصود لرحلة العودة التي كانت تنتظرني .
ما إن تجتاز عتبة الشقة، حتى تكتشف أن المكان يشبه ورشة رسم ضخمة، وفضاء فنيا قائم الذات.
الشقة مزودة بحمام، وغرفة طعام، ومطبخ، وغرفة نوم، وصالون رئيسي مهيب.
وكان الصالون ينبض بالإبداع، تنتشر فيه حاملات لوحات تنتصب هنا وهناك، محاطة بلوحات فنية موضوعة على طاولات أو معلقة على الجدار.
وبينما كانت بعض القطط تتجول في صمت داخل الشقة، كنت ألقي نظراتي على اللوحات المرسومة.
في كل لوحة من لوحاتها، وبشكل شبه وسواسي، كانت تظهر أجساد نساء.
لكنهن كنّ نساء في شكل هجين وسريالي، بملامح وصورة القطط.
عبرنا إلى غرفة الطعام.
على الطاولة، كانت ثلاثة أطباق بمعداتها قد وُضعت بعناية .
وفي الوسط، كان هناك طبق كبير من السلطة المتنوعة والمزركشة، وصدور دجاج مشوية، وأرز، وقارورة ماء زجاجية كبيرة وكؤوس.
قبل أن نبدأ بتناول الطعام، فتحت ليونور الثلاجة وأخرجت منها زجاجة نبيذ.
قال لها خوان هامسا بابتسامة بأنني أميل لشرب الجعة عوض النبيذ.
ابتسمت واعتذرت بلطف موضحة أن قبوها للأسف لا يضم سوى النبيذ.
ثم أردفت بنبرة دافئة، بأنه يمكنني استثناءً هذا اليوم تذوق زجاجة من محاصيل عتيقة لكروم جنوب فرنسا.
أمام كل ذلك اللطف، لم أرفض كأس النبيذ الصغير على شكل بالون الذي ملأته لنصفه، وناولته لي.
لكسر جليد اللقاء الأول، والاقتراب منها بشكل إنساني أكثر، بدأت أحدثها عن نفسي.
علمت مني أنني أستاذ رياضيات للسلك الثانوي بأصيلة، شمال البلد الذي شككتُ أنها ارتدت فستانا شبيها بما ترتديه نساؤه عندما أخبرها خوان أنه سيزورها رفقة صديق مغربي.
من حديثي عن نفسي اكتشفت ليونور ما يربطني بعالم خوان.
علمت أنني رئيس جمعية مسرحية، وأن المسرحيات التي كان كبار فرقتنا يعرضونها فوق الخشبة كنت أكتبها أو أقوم بإعدادها، وأضع تصميمها.
ورويت لها كيف أن فكرة تأسيس جمعيتنا راودتني، حين كتبت مسرحية عنوانها “مهرجان في حلم هارِب”، دربت عددا من تلامذتي في القسم عليها، وشاركت معهم أنا أيضا فيها، لكن لجنة التقييم داخل المؤسسة المكلفة باختيار العروض التي سيتم تقديمها بمناسبة عيد العرش رفضت إدراج المسرحية ضمن برنامج الاحتفالات بعيد العرش، بحجة أنها لا تتماشى مع المعايير الصارمة للعروض المخصصة للمناسبة، وكان ذلك الرفض هو الذي جعلني أفكر في تأسيس جمعية مسرحية رفقة التلاميذ.
كانت ليونور تستمع إلى قصتي باهتمام.
وكان الغداء قد بلغ نهايته.
فدعتنا للعبور إلى الصالون الكبير كي نطلع على أعمالها عن قرب.
في زاوية من الصالون كان يستقر مسجل عتيق وأسطوانات موسيقية.
بحركة أنيقة، اختارت ليونور مقطوعة من موسيقى “سلو”، هادئة وراقصة، ملأت الفضاء بنغمات آسرة.
وابتدأت بالرقص مع خوان، بحركات بطيئة.
وبعد لحظة التفتت نحوي، ودعتني كي أرقص معها.
تحت تأثير كؤوس النبيذ المعتق، كنت قد بدأت أسكر قليلاً.
الأجواء الحالمة للمكان، ووجوه نساء القطط التي كانت تحدق فينا من الجدران، والحضور المهيمن لتلك المرأة العجوز بالگندورة البيضاء، والأنغام الساحرة المنبعثة من الفونوغراف، دفعتني إلى التجرؤ، وتقليص المسافة بيني وبين وجهها وأنا أراقصها، فوضعت شفتي على عنقها. وبرقة لا متناهية، وبدون أدنى عتاب بل بحزم سلطوي، تراجعت عني في هدوء، واضعة حدا لجرأتي.
ففهمت أنه يلزمني أن ألتزم بما يتطلبه المقام من احترام.
وطار مني تأثير النبيذ.
كانت رقصتنا قد بلغت نهايتها.
ومعها، انقضت زيارتنا للسيدة ليونور، التي أسدلت أمام أحلامي ستارا من الوقار أوقف ما كان يغلي في داخلي من اندفاعات جعلتها الثمالة تتجاوز الحواجز والجدران.
وهذا ما كان


