السودان: دارفور.. الأرض المحروقة من الغارات والأسلحة الكيميائية
جواد جعواني
تتواصل الغارات الجوية على مدن وبلدات دارفور، مخلفة مزيدا من الضحايا المدنيين، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من اتساع رقعة الحرب واستخدام أسلحة محظورة دوليا.
وأفاد سكان محليون في مدينة مليط، الواقعة على بُعد نحو 65 كيلومترا شمال مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، بمقتل وإصابة عدد من المدنيين والعسكريين، جراء قصف بطائرة مسيّرة استهدف المدينة، السبت.
وتأتي هذه الغارة ضمن سلسلة من الهجمات الجوية التي شهدتها مناطق مختلفة من دارفور منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل 2023، والتي أوقعت عشرات الآلاف من القتلى ودفعت ملايين السكان إلى النزوح، وسط اتهامات متبادلة بين أطراف النزاع بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين.
وقالت إحدى سكان المدينة، طلبت عدم الكشف عن هويتها، لـ«دارفور24»، إن طائرة مسيّرة يُعتقد أنها تابعة للجيش السوداني قدمت من الاتجاه الشمالي الشرقي، ونفذت غارات على مناطق متفرقة من مليط. وأشار مصدر طبي إلى مقتل عدد من الأشخاص وإصابة آخرين، بينهم مدنيون، إثر قصف استهدف تجمعا في أحد الأسواق الليلية بالمدينة.
وبحسب المصدر نفسه، عاودت الطائرة المسيّرة القصف أثناء عمليات إجلاء القتلى من موقع الهجوم، ما أدى إلى سقوط مزيد من الضحايا في صفوف المدنيين والعسكريين.
تصعيد مستمر
وبحسب دارفور 24 يعد هذا القصف الثاني الذي تتعرض له مدينة مليط خلال أقل من شهر، فيما شهدت المدينة خلال فترات سابقة عشرات الغارات الجوية التي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، من بينها غارة استهدفت سوق المدينة العام الماضي.
وفي مدينة أم كدادة، الواقعة على بُعد نحو 180 كيلومتراً جنوب شرق الفاشر، شنت طائرة مسيّرة، السبت، غارة استهدفت شاحنة تجارية محملة بكميات من محصول البصل، ما أدى، وفق شهود ومصادر محلية متطابقة، إلى سقوط قتلى وجرحى مدنيين، وفقا لذات المصدر.
ويركز الجيش التابع لسلطة بورتسودان منذ اندلاع الحرب، على قصف مناطق مختلفة في دارفور، ويستهدف حواضن قوات تأسيس، بينما لم تفرق غاراته الجوية، بين الأهداف العسكرية، والمدنية.
وقبل أكثر من عام، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش، إن الجيش قتل ” أعدادا كبيرة من المدنيين في هجمات استخدمت فيها قنابل غير موجهة أُلقيت جوا على أحياء سكنية وتجارية في نيالا، في جنوب دارفور، مطلع فبراير/شباط 2025.”
اتسمت هذه الهجمات بالعشوائية لأن القنابل المستخدمة لها آثار واسعة النطاق ودقة محدودة، ولا يمكن، في معظم الحالات، توجيهها إلى هدف عسكري محدد في مناطق مأهولة بالسكان. شنُّ هجمات عشوائية، عمدا أو بتهور، هو جريمة حرب، وفقا للمنظمة.
وقالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم إن القوات المسلحة السودانية استخدمت قنابل غير موجهة أُلقيت جوا لشن هجمات على أحياء سكنية وتجارية في نيالا بجنوب دارفور أوائل فبراير/شباط 2025. هذه الهجمات العشوائية، التي تشكل جرائم حرب مفترضة، قتلت وأصابت أعدادا كبيرة من المدنيين.
وشنّ الجيش السوداني هجمات متكررة على نيالا، عاصمة جنوب دارفور، منذ سيطرة خصمه “قوات الدعم السريع” على المدينة أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2023. المدينة، التي كان يقطنها أكثر من 800 ألف نسمة قبل النزاع الحالي، هي الأكبر في دارفور وإحدى أكبر مدن السودان، بحسب التقرير.
أسلحة محظورة
تقرير هيومن رايتس ووتش، جاء بالتزامن مه تقرير يتهم طيران الجيش باستخدام أسلحة كيماوية في هجمات نفذها في مدينة نيالا التي تحولت إلى عاصمة لحكومة “تأسيس” التابعة لمحمد حمدان دقلو، والتي أعلن عنها مؤخرا.
التقرير أصدرته مجموعة محامو الطوارئ السودانية، إنه استند إلى أدلة تؤكد أن الهجمات الجوية التي نفذها طيران الجيش حول المدينة إلى “بالونة تلوث كبيرة مما تسبب في العديد من حالات الاختناقات وضيق التنفس والالتهابات الصدرية وانتشار أمراض الربو والتسلخات بعد استخدام الجيش سلاح غاز الكلور في المدينة”.
وقالت معدة التقرير، رحاب مبارك، عضو هيئة محامو الطوارئ: “الشهادات التي حصلنا عليها تؤكد أن ما يحدث في نيالا هو جريمة حرب وجرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان استخدم فيها الجيش الأسلحة المميتة والمحرمة دوليا واستهدف بها قطاع واسع من المدنين الذين يقيمون بالمدينة”.
وفي السياق، قال طبيب محلي إن مستشفيات المدينة تستقبل يوميا العديد من الحالات المشتبه بتأثرها بتلوث كيميائي، وأوضح: “مع تزايد الشكوك بدأ الأطباء في المستشفى التركي والإيطالي في توجيه الكوادر المختصة بإجراء فحص معملي على ملابس المرضى”. مضيفا: “بعد ملاحظة تسلخات في الجلد في أجساد الحالات التي تصلهم بعد القصف مباشرة، بدأنا في إرسال ملابس المرضى للمعامل المختصة التي أفادت بوجود آثار غاز الكلور الكميائي المحرم دوليا”.
كارثة صحية
ويشهد السودان تزايدا في حالات الإصابة بأمراض مميتة مثل السرطان والقلب والكبد والكلى وسط تقارير تربط انتشارها باستخدام أسلحة كيمائية خلال حسب صحيفة “السودانية نيوز”
وأرجعت صحيفة “السودانية نيوز” على موقعها الإلكتروني السبب في ظهور هذه الأمراض إلى تداعيات استخدام أسلحة كيمياوية في السودان، مشيرة إلى أن مناطق متعددة من السودان تشهد تدهورا حادا في القطاع الصحي بسبب الحرب، حيث خرجت عشرات المستشفيات عن الخدمة ونقصت الأدوية والكوادر الطبية، مما فاقم معاناة المرضى وزاد من صعوبة الحصول على الرعاية.
ونقلت الصحيفة عن مختصين قولهم إن أي مزاعم باستخدام أسلحة محرمة تستدعي تحقيقا دوليا ومحليا شفافا، خاصة مع استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية وتأثر المدنيين بشكل مباشر بتداعيات النزاع.
في غضون ذلك، فرضت الولايات المتحدة عقوبات إضافية على السودان، متهمة الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال عام 2024، في خطوة تعكس تصعيدا جديدا في الضغوط الأميركية على السلطات في بورتسودان.
وأعلن واشنطن رفضها نتائج أي تحقيق داخلي تجريه الحكومة، مطالبة بإجراء تحقيق مستقل عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في وقت يتحرك فيه الكونغرس الأميركي لتوسيع نطاق الضغوط من خلال تشريعات تستهدف أطراف الحرب، مع التركيز على حماية المدنيين وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب.
وقال المحلل السياسي عثمان فضل الله أن العقوبات تمثل تطورا سياسيا وقانونيا، بالغ الأهمية والخطورة، لأنها تضيف بعدا جديدا إلى العزلة الدولية التي تواجهها السلطة في السودان.
