رسائل هاربة من زمن العنفوان

رسائل هاربة من زمن العنفوان

كتبها: الإعلامي أحمد الدافري 

هي رسائل حب وعشق وهيام 

وهذه واحدة منها

 

كانت تصلني هذه الرسائل بعد صيف سنة 1987 

في شكل بطاقات بريدية، من مدينة “كون” Caen (بدون نطق حرف النون)، المطلة على بحر المانش شمال غرب فرنسا، حيث كانت تقيم أسرة فرنسية تتكون من الأم فرونسواز Françoise، وهي سيدة في 51 سنة من عمرها، أستاذة اللغة الفرنسية، مطلقة من أستاذ فرنسي كان يشتغل ناظر الدروس في نفس المؤسسة التي كانت تشتغل فيها، وابنتها البكر هيلين Hélène، خريجة الجامعة شعبة الأدب الفرنسي القديم، في تلك السنة، وكانت في مثل عمري، وباسكال Pascal زوج هيلين، الشاب الذي تخرج أيضا من الجامعة وكان ينتظر قرار تعيينه أستاذا في ثانوية تقنية في تخصص الكهرباء، والابنة الوسطى ماري Marie، التي كانت قد نجحت على التو في امتحان الباكالوريا، وكان عمرها 18 سنة، ذات الجسد الثخين المثير، والشعر المقصوص في شكل Coupe garçon، وذات الملامح الطفولية الجذابة، ثم الابنة الصغرى الشقراء جولييت Juliette ذات 11 سنة، التي كانت والدتها وشقيقتاها يدللنها كثيرا ويلبين كل طلباتها. 

تعرفت على هذه العائلة في مخيم مدينة مرتيل في غشت 1987 وكان مخيما قريبا من مقهى ريو Rio، وبجانبه مركزا لإدارة الجمارك، وكنا نحن جماعة “أصدقاء المسرح” من مدينة القصر الكبير، قد حللنا بهذا المخيم بخيامنا، سي محمد اليملاحي، علي حيسن العازف على البانجو والماندولين، عبد الرحيم العسلي العازف على الدف والطبيلة والبانجو والهجهوج، يوسف سعدون سينوغراف والفنان التشكيلي الذي كان يصمم مناظر مسرحيات الفرقة، وغيرهم من الأصدقاء الذين كانوا يشعلون المخيم غناء ورقصا في دائرة واسعة توقض وسطها نار لتدفئة الدفوف، ويتحلق حولها جمهور كبير من نزلاء المخيم. 

 

كنت أنا أول واحد في المجموعة، الذي لاحظت في أحد الصباحات قدوم سيارتين بترقيم فرنسي من المخيم. 

السيارة الأولى من نوع دوشوفو بيضاء تسوقها فرونسواز وكانت معها ابنتاها ماري وجولييت، وسيارة ثانية بيضاء أيضا من نوع Opel كان يسوقها باسكال وكانت رفقته زوجته هيلين  

 

توقفت السيارتان داخل المخيم، وخرج منهما أفراد الأسرة، وبدأ باسكال يخرج من السيارتين مستلزمات التخييم، ومن بينها خيمتان اثنتان، واحدة كبيرة والثانية متوسطة. 

توجهت نحوهم وقلت لهم بنبرة حاولت أن أمزج فيها الجد بالدعابة :

مرحبا بكم في أحسن شاطئ وأفضل مدينة في شمال المغرب، وفي أجمل مخيم ستقضون فيه أجمل أيام عطلتكم الصيفية على مر التاريخ. 

كانت هذه هي البداية التي فتحت لي باب الدخول إلى عالم هذه العائلة، التي تعرفت في اليوم نفسه على باقي أعضاء مجموعتنا، الذين كانوا كلهم في مستوى عالٍ من الرقي واللطف والثقافة، فاندمجنا بسرعة وأصبحنا داخل المخيم نشكل عائلة واحدة. 

تعلقت بماري بعدما لاحظت أنها تهتم بي كثيرا. 

وأصبحنا نعيش حالة حب. 

وقد شجعتني الأم فرونسواز والابنة هيلين على أن أحب ماري. 

بل الأكثر من ذلك، اقترحت عليَ فرونسواز أن أغادر المغرب وأعيش في فرنسا. 

 

كنت خلال شهر غشت ذاك من 1987 أتأهب إلى الالتحاق لأول مرة بالوظيفة العمومية أستاذا للسلك الثاني لمادة الرياضيات في إحدى مؤسسات التعليم الثانوي بنيابة التربية الوطنية بإقليم طنجة، وهي النيابة التي كنت قد تعينت فيها في نهاية شهر يونيو بعد تخرجي من المدرسة العليا للأساتذة في حي التقدم بالرباط، وكان من المقرر أن أتعرف على اسم الثانوية في بداية سبتمبر، لكنني تفاجأت لاحقا بأنه تم تغيير تعييني من ثانوية ابن الخطيب بطنجة إلى ثانوية وادي الذهب بأصيلة، وهو تغيير لم أفهمه، وعلمت بعد ذلك أنه تم استبدال تعييني بشكل مفاجئ إرضاء لرغبة أستاذ آخر مثلي في الرياضيات قضى فقط سنة في ثانوية وادي الذهب بأصيلة وطلب الانتقال إلى طنجة، وهو ما جعلني في البداية أرفض التعيين في أصيلة، وأداوم على الاحتجاج في النيابة أمام مكتب رئيس قسم الشؤون التربوية الذي كان حينها اسمه السيد يوسف كلالو، والذي كثيرا ما حاول أن يشرح لي أنه من مصلحتي أن أشتغل في أصيلة بدل طنجة، معللا ذلك بأن متطلبات العيش في أصيلة أقل من طنجة، وأن وضعيتي المالية لن يتم تسويتها إلا بعد عدة شهور.    

 

في ما يلي نص الرسالة التي كتبتها لي هيلين بعد عودتهم إلى فرنسا، وكانت مكتوبة في كارط بوسطال فيه صورة ميناء مدينة CAEN، وكانت قد كتبتها هيلين لي بعد ما التحقت بثانوية وادي الذهب وأنا ساخط بسبب تغيير تعييني من طنجة، وكنت قبل توصلي بالرسالة قد اتصلت بماري بالهاتف، من مخدع في البريد المركزي بأصيلة الذي كان بجوار الباشوية، وحكيت لها المشاكل التي اعترضتني قبل التحاقي بالعمل. 

أسفله الرسالة كما هي مكتوبة بخط يد هيلين، متبوعة بترجمة لها :

15 Sept 1987

à Caen

Cher Ahmed,

 

Nous avons eu de tes nouvelles par Marie et nous sommes désolés que tu fasses ta rentrée dans des conditions aussi lamentables! Quand je pense qu’ici nous manquons d’enseignants en maths, ça me déprime!! Pascal est nommé à Caen dans un lycée, il est content. Pour ma part, je ne fais rien, je n’ai pas le moral et pour la première fois je m’ennuie à mourir. Ce que nous avons vécu avec vous fut à la fois instigateur de perturbations et de grandes joies. C’est pourquoi affronter le quotidien nous paraît une tâche difficile à accomplir. Je suis en train de faire des enregistrements que nous vous ferons parvenir avec quelques photos. Il pleut et les gens referment leur coquille petit à petit. Je vais te quitter en espérant te revoir bientôt. Continue à aimer Marie comme tu le fais; elle le mérite. Gros bisous à toute la famille.

 

Héléne

 

15 شتنبر 1987

في كون

 

عزيزي أحمد،

وصلتنا أخبارك عن طريق ماري، ونحن آسفون جدا لأنك تبدأ دخولك المدرسي في ظروف سيئة إلى هذا الحد! عندما أفكر أننا هنا نعاني من خصاص في أساتذة الرياضيات، أصاب بالإحباط!! 

لقد تم تعيين باسكال في ثانوية هنا في كاين، وهو سعيد بذلك. أما بالنسبة لي، فأنا لا أعمل شيئا إلى حد الآن، وليست لدي أي معنويات لفعل أي شيء، ولأول مرة أشعر بالملل القاتل.

 إن ما عِشناه معكم كان في نفس الوقت يبعث على الارتباك والبهجة العارمة، ولهذا السبب تبدو لنا مواجهة الروتين اليومي مهمة شاقة للغاية. 

إنني بصدد إنجاز تسجيلات صوتية سنرسلها إليكم برفقة بعض الصور. 

الجو ممطر والناس ينغلقون على أنفسهم تدريجياً. سأودعك الآن على أمل أن نلتقي قريبا.

 استمر في حب ماري كما تفعل.

فهي تستحق ذلك. 

قبلاتي لكل أفراد العائلة.

هيلين

(يُتبع)

وهذا ما كان

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*