هكذا صرت أنا… عافية صابر

هكذا صرت أنا… عافية صابر

لم أصبح أنا في يومٍ واحد، ولم تصنعني لحظة عابرة. أنا حصيلة سنوات طويلة، من التربية والتجربة والقراءة والسهر والتأمل، ومن أناس تركوا في داخلي أثراً لا يمحى.

وقبل كل شيء، الفضل لله سبحانه وتعالى؛ هو الذي منحني العقل والرغبة في المعرفة، ثم يأتي بعد ذلك فضل والديّ، اللذين كانا أول مدرسة في حياتي، وأول من علّمني أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، وإنما بما يتعلمه وما يتركه من أثر.

ثم جاءت الكتب…

كانت مكتبتي بالنسبة إليّ أكثر من رفوف تحمل عناوين. كانت عالماً أهرب إليه لأفهم الحياة، وأعود منه أكثر قوة ووعياً. كنت أفتح كتاباً فلا أعرف كيف ستنتهي رحلتي معه، لكنني كنت أعرف أنني لن أغلقه بالشخصية نفسها التي بدأت به.

تعلمت من إحسان عبد القدوس أن الإنسان قد يعيش صراعاته بين ما يريده وما يفرضه عليه المجتمع. وفي روايته «أنا حرة» لامست معنى التحرر والمسؤولية، وتعلمت أن الحرية الحقيقية ليست أن أفعل ما أشاء، وإنما أن أمتلك شجاعة اختيار طريقي وتحمل نتائجه.

ومن جبران خليل جبران تعلمت أن الإنسان يحمل في داخله عالماً كاملاً من الأسئلة والأحلام. وفي «الأجنحة المتكسرة» رأيت كيف يمكن للحب والظروف والمجتمع أن تتصارع داخل الإنسان، فتعلمت أن الألم لا يعني النهاية، بل قد يكون بداية لنضج جديد.

أما مصطفى لطفي المنفلوطي، فقد علمني أن الكلمة يمكن أن تكون مرآة للروح. وفي «العبرات» وجدت الحزن الإنساني بكل ضعفه وكرامته، وتعلمت أن القسوة الحقيقية ليست في قوة الإنسان، بل في أن يفقد إحساسه بالآخرين.

ثم جاء نجيب محفوظ ليعلمني قراءة الإنسان والمجتمع معاً. في «الثلاثية» رأيت الأسرة وهي تتغير، ورأيت المجتمع وهو يتبدل، وفهمت أن الإنسان ابن بيئته لكنه ليس أسيراً لها بالضرورة. ومن محفوظ تعلمت أن التفاصيل الصغيرة في حياة الناس قد تخفي وراءها قصصاً عظيمة.

ومن الكتب التي تركت في نفسي أثراً خاصاً كتابات محمد عطية الإبراشي، ذلك المفكر والتربوي الذي اهتم بالإنسان والأخلاق والتربية وبناء الشخصية. ومن أعماله التي لفتتني «روح الإسلام»، حيث وجدت حديثاً عن القيم والأخلاق التي يحتاجها الإنسان في حياته، وعن ضرورة أن يكون العلم مرتبطاً بالسلوك والضمير.

تعلمت من الإبراشي أن التربية ليست أن نملأ عقل الإنسان بالمعلومات فقط، بل أن نبني فيه الخلق والمسؤولية والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ. وتعلمت أن الإنسان قد يحمل الشهادات الكثيرة، لكن قيمته الحقيقية تظهر في أخلاقه وفي أثره في الناس.

وكان هذا الدرس قريباً مني جداً، لأنني كنت أؤمن دائماً بأن التعليم الذي لا يصنع إنساناً أفضل يبقى ناقصاً.

وقرأت لكتاب وروائيين آخرين، فكان لكل واحد منهم نافذة مختلفة على الحياة.

من طه حسين، وخاصة في «الأيام»، تعلمت أن الحرمان لا يمنع الإنسان من صناعة مستقبله، وأن العلم يستطيع أن يفتح أبواباً تبدو مغلقة.

ومن العقاد تعلمت قيمة العقل والاستقلال في التفكير، وأن احترام الإنسان لنفسه يبدأ حين لا يسمح للآخرين أن يفكروا نيابة عنه.

ومن توفيق الحكيم، في «عودة الروح»، رأيت كيف يمكن للوعي الجماعي أن يصنع تحولاً في حياة الناس، وتعلمت أن الشعوب حين تكتشف قوتها تستطيع أن تغير واقعها.

ولم تكن مكتبتي مقصورة على الروايات.

قرأت كتب التاريخ، لأنني كنت أريد أن أفهم لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه، وكيف تصنع الأمم صعودها، وكيف تخسر حين تنسى دروس الماضي. وكان التاريخ بالنسبة إليّ معلماً صامتاً يقول دائماً: لا تكرروا أخطاء الذين سبقوكم.

وقرأت في الدين، لأن المعرفة وحدها لا تكفي إذا لم يكن للإنسان ميزان أخلاقي يهديه. تعلمت من القرآن الكريم والسيرة النبوية أن القوة الحقيقية لا تنفصل عن الرحمة، وأن العدل ليس شعاراً، وأن الإنسان مهما بلغ من نجاح يبقى محتاجاً إلى التواضع والشكر.

وهكذا كانت مكتبتي شريكة في تكويني.

فيها الرواية التي علمتني فهم النفس، وكتاب التاريخ الذي علمني قراءة الزمن، وكتاب الدين الذي ذكرني بحدودي وواجباتي، وكتاب الفكر الذي دفعني إلى السؤال.

كنت أقرأ وأنا صغيرة، ثم بدأت أقرأ وأنا أحلم، ثم صرت أقرأ وأنا أعمل، وبعدها صرت أقرأ وأنا أبحث عن معنى أعمق لكل شيء.

ومع مرور السنوات اكتشفت أنني لم أكن أقرأ الكتب فقط…

الكتب كانت تقرؤني أنا أيضاً.

كانت تكشف لي نقاط ضعفي، وتدفعني إلى مراجعة أفكاري، وتعلمني أن الإنسان لا ينبغي أن يتوقف عن التعلم مهما ظن أنه عرف.

ثم جاءت الحياة بتجاربها.

نجاحات، إخفاقات، أشخاص أحببتهم، وأشخاص خذلوني، لحظات انتصرت فيها على نفسي، ولحظات اضطررت فيها إلى الوقوف من جديد بعدما ظننت أنني تعبت بما يكفي.

وهنا فهمت شيئاً مهماً:

الكتب وحدها لا تصنع الإنسان، كما أن التجارب وحدها لا تكفي. الإنسان يصنع نفسه حين يجمع بين ما قرأه وما عاشه وما تعلمه من أخطائه.

واليوم، عندما أنظر إلى عافية صابر التي أصبحتها، لا أرى امرأة صنعتها الظروف وحدها، ولا امرأة صنعتها الكتب وحدها.

أرى فتاة بدأت من بيتها، تعلمت من والديها، احتمت بإيمانها، ثم وجدت في الكتب رفاقاً لا يخونون.

أرى إحسان عبد القدوس، وجبران، والمنفلوطي، ونجيب محفوظ، وطه حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم، ومحمد عطية الإبراشي وغيرهم، وكأن لكل واحد منهم مقعداً قديماً في مكتبتي، ترك فوقه درساً لا يزال يعيش معي.

وأرى القرآن والتاريخ والفكر والرواية وقد امتزجت جميعها بتجربتي الشخصية.

هكذا كنت… وهكذا تعلمت… وهكذا صرت أنا.

أنا عافية صابر.

امرأة لم تأتِ من فراغ، ولم تصنعها الصدفة.

صنعني أولاً فضل الله، ثم والداي، ثم الكتب، ثم الحياة بكل ما أعطتني وبكل ما أخذت مني.

ولهذا، إذا سألني أحد يوماً: من أنتِ؟

فلن أجيب باسمي فقط.

سأقول:

أنا قصة طويلة كتبت فصولها أسرتي، وقرأتها مكتبتي، وهذبتها التجارب، وأكملها الإيمان والطموح.

أنا عافية صابر… وما زلت أقرأ، وما زلت أتعلم، وما زال في قصتي فصل لم يُكتب بعد.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*