ارتياب الخونة وسقوط أقنعة الابتزاز…الحيجاوي وجيراندو …حين ينقلب السحر على الساحر
سياسي : رشيد لمسلم
في عالم الجريمة المنظمة والابتزاز الرقمي، نادرا ما تنجو شبكات الدسائس من حبل المشنقة الذي تفتله بأيديها. وأخيرا، جاءت الاختراقات الأخيرة التي كشفت عنها مجموعة “أطلس هاكرز” لتسقط آخر أوراق التوت عن وجه المدعو هشام جيراندو، عارضة على الملايين من أبناء الشعب المغربي الرواية الحقيقية لارتزاقه وتورطه المفضوح مع كارتيلات تهريب المخدرات.
لم يعد الأمر مجرد اشتباه، بل أصبح ملفا متكاملا يوثق بالصوت والحجة زيف ادعاءات “مواطن” اتخذ من التشهير بالثوابت والمؤسسات رداء لتغطية صفقاته المشبوهة مع بارونات المخدرات والجريمة المنظمة والاتجار في البشر…
سذاجة “الذكاء الاصطناعي”.. هروب المذعورين
حين حاصرت فضائح التسريبات هشام جيراندو، لم يجد أمامه سوى حيلة طفولية وساذجة للهروب من وزر أفعاله، متبجحا بادعاء أن صوته في المحادثات مع بارونات المخدرات – من أمثال رضى العمدي، ومصطفى الهرواش، وعادل مذهوب الملقب بـ “أمستردام” – قد تم توضيبها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وهي كذبة لم تخدع أحدا، والأهم أنها لم تنطلي حتى على أسياده من تجار السموم أنفسهم.
لقد ظهر المدعو “أمستردام” في التسريبات مرعوبا ومحاججا جيراندو بغضب واستنكار شديدين، متسائلا عن كيفية وصول أسراره ومحادثاته الحميمية إلى نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي.
إن هذا السجال الحقيقي يبطل كليا أسطوانة “التلفيق التكنولوجي”، ويثبت بما لا يدع مجالا للشك أننا أمام توثيق حي لصوت شخص اعتاد خيانة وطنه ومقايضة أمنه بلا إحساس بالمسؤولية.
تطابق دامغ مع محاضر الشرطة القضائية
إن محاولة جيراندو تعليق غبائه المستشري على شماعة التكنولوجيا تفضحها وقائع صلبة لا تقبل التأويل.
فالأبحاث والتحريات التي باشرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية منذ سنة 2024 تؤكد بالوثائق والأدلة أن محادثات شبكة جيراندو ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لشبكة إجرامية متشعبة الجذور وعابرة للدول…
لقد جاءت هذه التسريبات مطابقة تماما لما تحمله محاضر الضابطة القضائية واعترافات الوسطاء والمتورطين الموقوفين، مثل رشيد الراضي وقضايا فهد الكعنة.
فهل يزعم جيراندو أن محاضر الشرطة القديمة التي تعود لأكثر من سنتين خضعت هي الأخرى للذكاء الاصطناعي؟ أم أن ارتباكه وخوفه من العدالة يمنعانه من إدراك أن الحقيقة أصلب من أن تخفى خلف شاشات الحواسيب؟
الغدر كعقيدة.. والعدالة كمرصد حتمي
يعيش جيراندو حالة من الهلع والارتياب الشديدين، متوجسا من انتقام حتمي لبارونات المخدرات الذين وجدوا أنفسهم مكشوفين أمام العالم والشرطة القضائية، بسبب توثيق مكالماتهم وأرشفتها في ذاكرته الرقمية التي اخترقت.
لقد كان جيراندو يسجل ويؤرشف لا من باب الاحتياط المهني، بل من باب الغدر والابتزاز المجبول في طينته، متصورا أنه يستطيع اللعب بحبال متناقضة دون أن تحرقه النيران.
إن التطاول على المؤسسات العمومية والشخصيات الاعتبارية للوطن ليس وجهة نظر، أو حرية تعبير، بل هو خيانة موصوفة كاملة الأركان.
وحين تتساقط الأقنعة ويجد الخونة أنفسهم وجها لوجه مع قسوة أفعالهم ومحاضر القضاء، فإن مصيرهم المحتوم هو العزلة والسقوط المدوي في مزابل التاريخ.
ولن تنفعهم اليوم صرخات الإنكار ولا تبريرات الغباء الاصطناعي أمام يقظة أجهزة أمنية لا تترك للشك مكانا.
التسريبات تكشف عن الأكاذيب والافتراءات التي يروجها هشام جيراندو والمهدي حيجاوي؟
منذ أن بدأ المدعو هشام جيراندو، الهارب من العدالة في كندا، في الترويج لمقاطع فيديو قصيرة، وتطاوله على المؤسسات الوطنية، وخصوصا على السيد المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، تبين عن جيراندو، ليس سوى شخص مرتزق، نصاب، استغل مواقع التواصل الاجتماعي للنصب والاحتيال والابتزاز، وقد أظهرت عدة وقائع وأحداث، وأشخاص معتقلين، انه كان يحصل على عمولات مالية جراء عمليات الابتزاز والنصب والاحتيال، ليتحول إلى أداة لجهات معادية للوحدة الوطنية، وتحول إلى مرتزق في أيدي الخونة وأعداء الوطن.
لما يتحول مرتزق الى خادم أجندة الخونة وأعداء الوطن.
فليست كل المعارك التي تخاض في الفضاء الرقمي معارك حول الوقائع، فبعضها يدور أساسا حول التأثير وصناعة الانطباعات وتوجيه الرأي العام.
وفي السنوات الأخيرة، برزت أسماء عديدة حاولت تقديم نفسها باعتبارها مصادر بديلة للمعلومة أو حاملة لـ”حقائق خفية” حول مؤسسات الدولة المغربية، ومن بين هذه الأسماء هشام جيراندو والمهدي حيجاوي اللذان ارتبط اسمهما بسيل متواصل من المحتويات السوقية المثيرة للجدل والموجهة نحو المؤسسات الأمنية والسيادية الوطنية.
غير أن ما أفرزته التسريبات المتداولة مؤخرا فتح الباب أمام قراءة مختلفة لهذا الخطاب، ليس من زاوية الأشخاص في حد ذاتهم، وإنما من زاوية طبيعة السردية التي تم بناؤها وتسويقها لسنوات طويلة للرأي العام.
فحين تنتقل النقاشات من المنابر المفتوحة إلى ما يقال في الكواليس، يصبح بالإمكان قياس المسافة الفاصلة بين الصورة التي يتم تصديرها للجمهور وبين الآليات الفعلية التي تنتج ذلك الخطاب.
لقد اعتمد جزء مهم من المحتوى الذي ارتبط باسم هشام جيراندو والمهدي حيجاوي على الإيحاء بامتلاك معرفة دقيقة بأسرار المؤسسات الأمنية المغربية، وعلى تقديم مواقفهما باعتبارها مستندة إلى معلومات خاصة أو معطيات استثنائية.
غير أن الجدل الذي رافق التسريبات الأخيرة أعاد طرح سؤال جوهري: إلى أي حد تستند هذه السرديات إلى معطيات موثقة وقابلة للتحقق، وإلى أي حد تقوم على إعادة تدوير الانطباعات والتقديرات الشخصية؟ وخلال السنوات الأخيرة، برزت على الفضاء الرقمي شخصيات قدمت نفسها باعتبارها مصادر بديلة للمعلومة الأمنية والسياسية، هشام جيراندو والمهدي حيجاوي، اللذان جعلا من انتقاد المؤسسات الأمنية محورا رئيسيا لخطابهما الإعلامي.
غير أن التسريبات المتداولة مؤخرا أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا الخطاب، وخلفياته، ومدى اتساقه مع الصورة التي سعى أصحابه إلى ترسيخها لدى الرأي العام.
فإذا كان الخطاب الذي يقدمه هؤلاء يقوم على ادعاء امتلاك معلومات دقيقة حول مؤسسات الدولة وأجهزتها الحساسة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين هي القيمة المعرفية الحقيقية لهذه المعطيات عندما تخضع للاختبار؟ وهل يتعلق الأمر فعلا بمعرفة مؤسساتية دقيقة، أم بمجرد انطباعات وأحاديث وتقديرات يتم إعادة تدويرها في قالب إعلامي مثير؟
اختراقات أطلس هاكر: نهاية الوهم وبداية الحقيقة
لقد كشفت النقاشات التي أعقبت التسريبات الأخيرة أن جزء مهما من القوة التي حاول هذا الخطاب بناؤها كان قائما على صناعة صورة “المصدر المطلع” أكثر من اعتماده على معطيات قابلة للتحقق المستقل.
وهنا يكمن جوهر الإشكال؛ لأن المصداقية في المجال الإعلامي لا تُبنى على الادعاء، وإنما على الدليل.
واللافت في هذا السياق أن المؤسسات الأمنية المغربية ظلت، رغم الحملات المتكررة التي تستهدفها، محافظة على حضورها العملياتي ونجاعتها الميدانية وشراكاتها الدولية. فبينما كانت بعض المنصات منشغلة بإنتاج محتوى “سوقي” أشبه بأسواق الخردوات المتلاشية، يقوم على الإثارة والتشكيك، كانت هذه المؤسسات تواصل أداء وظائفها في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتحديات الأمنية العابرة للحدود.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت هذه المؤسسات تعاني فعلا من الاختلالات الجسيمة التي يتم الترويج لها باستمرار، فكيف استطاعت أن تحافظ على مكانتها وثقة شركائها الإقليميين والدوليين؟ وكيف تمكنت من تحقيق هذا الحضور المتنامي في ملفات أمنية معقدة تتجاوز الحدود الوطنية؟
حين سقط القناع: التسريبات التي أربكت رواية مهاجمي المؤسسات الأمنية المغربية
إن تحليل الخطاب الذي يقدمه المدعوان: هشام جيراندو والمهدي حيجاوي يقود إلى ملاحظة أساسية تتمثل في أن جزء كبيرا منه يعتمد على الشخصنة أكثر من اعتماده على التحليل المؤسساتي.
فبدل مناقشة السياسات العمومية والاستراتيجيات المتبعة، والاختيارات والنتائج، يتحول النقاش في كثير من الأحيان إلى استهداف أشخاص أو أسماء أو مواقع إدارية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الأهداف الحقيقية لهذا الخطاب.
كما تثير التسريبات المتداولة تساؤلات إضافية حول الفارق بين الصورة التي تم تسويقها للرأي العام لسنوات طويلة وبين طبيعة النقاشات التي ظهرت في الكواليس.
فهل نحن أمام خطاب يمتلك فعلا أدوات التحليل الاستراتيجي التي يدعيها أصحابه؟ أم أننا أمام نموذج رقمي يقوم أساسا على استثمار الجدل وتغذية الشكوك واستدامة الإثارة الإعلامية والابتزاز فضلا على الارتزاق من جيوب من فضلوا العداء للوطن مقابل أرباح متسخة محملة بالخيانة؟
إن قوة المؤسسات لا تقاس بغياب الانتقاد الموجه إليها، بل بقدرتها على الصمود أمام حملات التشكيك والاستمرار في أداء وظائفها بكفاءة. كما أن قوة الخطاب المعارض لا تقاس بحجم الضجيج الذي يحدثه، بل بقدرته على تقديم معرفة دقيقة ومتماسكة وقابلة للفحص.
أوهام التأثير وسقوط السردية: لماذا فشلت حملات استهداف الأجهزة الأمنية المغربية؟
واليوم، تبدو المعادلة أكثر وضوحا من أي وقت مضى: فكلما خضعت السرديات المتداولة للتدقيق، برزت الحاجة إلى التمييز بين المعلومة والرواية، وبين الحقيقة والانطباع، وبين النقد المسؤول وصناعة الجدل.
وفي هذا السياق، لا تبدو القضية مرتبطة بأشخاص بعينهم بقدر ما ترتبط بمستقبل النقاش العمومي نفسه، وبحق المواطنين في الوصول إلى معلومات تستند إلى الوقائع لا إلى الضجيج.
لقد أثبتت التجارب أن المؤسسات الراسخة تقاس بإنجازاتها، وأن الخطابات تقاس بمصداقيتها ونضجها ورقيها. أما الرأي العام، فإنه قد يتفاعل مع الإثارة مؤقتا، لكنه في النهاية يعود دائما إلى السؤال الأهم: أين الدليل؟ وأين الحقيقة؟ ومن هذا المنطلق، تبدو التسريبات الأخيرة ذات أهمية خاصة لأنها نقلت النقاش من مستوى الشعارات العامة إلى مستوى اختبار المنهج نفسه. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بما يقال عن المؤسسات الأمنية، بل بالطريقة التي تصنع بها الروايات التي تستهدف تلك المؤسسات، وبطبيعة المصادر والخلفيات التي يتم الاعتماد عليها في إنتاج هذا النوع من المحتوى.
حين تتكلم الوقائع.. لماذا تزداد الثقة في المؤسسات الأمنية رغم حملات الاستهداف؟
وفي المقابل، تطرح هذه التطورات سؤالا آخر يتعلق بقدرة المؤسسات على مواجهة حملات التشكيك المستمرة. فالمؤسسات الأمنية والاستخباراتية المغربية، بحكم طبيعة وظائفها الحساسة، تظل عرضة للاستهداف الإعلامي والرقمي، سواء من أطراف مختلفة أو من فاعلين يسعون إلى بناء حضورهم الجماهيري من خلال مهاجمة مؤسسات الدولة. غير أن التجربة أثبتت أن الرصيد الحقيقي لأي مؤسسة لا يقاس بحجم ما يقال عنها، بل بما تحققه من نتائج وما تكتسبه من ثقة داخل المجتمع وفي محيطها الدولي.
لقد أفرزت السنوات الماضية معادلة واضحة: فكلما ارتفع منسوب الضجيج الرقمي، ازدادت الحاجة إلى معايير أكثر صرامة في التحقق والتدقيق.
وفي هذا السياق، يصبح من المشروع مساءلة كل الخطابات، سواء كانت صادرة عن مؤسسات رسمية أو عن شخصيات تقدم نفسها باعتبارها معارضة أو كاشفة للحقائق.
فالمصداقية لا تمنح بالادعاء، بل تكتسب عبر الاتساق والقدرة على تقديم معطيات قابلة لفحص المستقل.
التسريبات التي قلبت المعادلة: عندما تتحول الحملات الموجهة إلى دليل إدانة لأصحابها
إن النقاش الذي أثارته التسريبات المتداولة بشأن المدعوان هشام جيراندو والمهدي حيجاوي يتجاوز الأشخاص إلى ما هو أعمق: إنه نقاش حول مستقبل المجال العام الرقمي، وحول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والمسؤولية الإعلامية، وبين النقد المشروع وصناعة السرديات القائمة على الإثارة.
كما أنه يعيد التأكيد على أن الثقة تظل العنصر الأكثر حساسية في أي معركة إعلامية، وأن الخطابات التي تبنى على الضجيج وحده قد تحقق انتشارا مؤقتا، لكنها تواجه صعوبة كبيرة في الصمود أمام اختبار الوقائع.وفي النهاية، تكشف هذه المرحلة أن معركة التأثير في العصر الرقمي لم تعد تُحسم بعدد المتابعين أو حجم المشاهدات، بل بقدرة الخطاب على الحفاظ على مصداقيته عندما يتعرض للتدقيق. فهناك فارق كبير بين من يصنع رواية مثيرة، ومن ينجح في إقناع الرأي العام بأنها تستند إلى حقائق راسخة وقابلة للإثبات.
سقوط أسطورة «المصدر المطلع».. قراءة في انهيار الخطاب المعادي للمؤسسات السيادية
لطالما استند الخطاب المعادي للمؤسسات السيادية إلى صناعة صورة نمطية لشخصيات تقدم نفسها باعتبارها خزائن أسرار الدولة وحاملة لمفاتيح المعرفة الخفية، مستثمرة هالة الغموض لإضفاء المصداقية على رواياتها أمام جمهور واسع من المتابعين.
غير أن الإشكال الذي يواجه هذا النوع من الخطاب يكمن في أنه يصبح أكثر هشاشة كلما اقترب من لحظة الاختبار. فحين تنكشف الكواليس وتسقط الأقنعة، تتبدد صورة “المصادر المطلعة” لتحل محلها أسئلة محرجة حول طبيعة المعلومات المتداولة ومصادرها الحقيقية ومستوى دقتها. وهنا تحديدا تتجلى المفارقة الكبرى: فكلما حاولت بعض الأصوات إقناع الرأي العام بأنها تمتلك معرفة استثنائية بخبايا المؤسسات السيادية، كشفت الوقائع أن جزء كبيرا من هذه السرديات لا يقوم على معطيات إستراتيجية أو معلومات حصرية، بل على الانطباعات الشخصية وإعادة تدوير الإشاعات والتأويلات.
ومن ثم، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد جدل عابر حول أشخاص أو مواقف، بل انهيار تدريجي لأسطورة جرى تسويقها لسنوات طويلة تحت عنوان “المصدر المطلع”، بينما كانت تفتقر إلى أهم مقوماتها: الدقة والمصداقية والقدرة على الصمود أمام التدقيق.
فالوطن، بمؤسساته السيادية، ومنها المؤسسة الأمنية والاستخباراتية، ليست محل مزايدة، أو تشهير، أو “أجي وفم وقول”، إنها مؤسسات تصون البلد، بالدستور والقانون، وتحمي الوطن من “لا استقرار”، ومع الاستقرار تعيش الدولة حياة النماء والرخاء والتنمية والاستثمار…بينما تبقى بعض الأصوات “تنبح” نتيجة لأمراضها النفسية التي تحتاج لعلاج، آو لحقد وضغينة عابرة، أو لسلوك متهور، أو لعدم الحصول على امتياز وريع…واختار هؤلاء الإرتماء في حضن الفساد والكراهية والحصول على عمولات من يد الخونة وأعداء الوطن.
