حين تُصنع العداوة: من إرث الاستعمار إلى بروباغندا العسكر

حين تُصنع العداوة: من إرث الاستعمار إلى بروباغندا العسكر . 

 هندسة الوعي الشعبي ؛ نموذج الجزائر 

الدكتورة أميرة عبد العزيز / باريس 

ليس من السهل أن تفهم كيف يمكن لشعبٍ بأكمله أن يُدفع، جيلاً بعد جيل، إلى النظر في المرآة فلا يرى إلا الصورة التي رسمها له الآخرون.

كيف يمكن لذاكرةٍ جماعية أن تُختزل في رواية واحدة، وللوطن أن يتحول من فضاءٍ للانتماء إلى متراسٍ دائم، وللجار أن يُعاد تقديمه بوصفه تهديدًا كلما احتاجت السلطة إلى عدوٍّ.

لكن التاريخ لا يترك فراغًا.

كان الأتراك أول من ترك بصماته الثقيلة، ثم جاء الفرنسيون ليعيدوا ترتيب المشهد وفق مصالحهم، إلى أن انتقل مفتاح التحكم من المستعمر إلى عصابة العسكر.

تغيّرت الوجوه، وتبدلت الأدوات، لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا: الرغبة في امتلاك الإنسان من الداخل، لا السيطرة على الأرض وحدها.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.

فالعسكر لا يحكمون البندقية وحدها؛ يحكمون الرواية أيضًا. ومن يملك الرواية يملك القدرة على تحديد من هو الوطني، ومن هو الخائن، ومن هو العدو، ومن هو الصديق.

وحين تصبح السلطة هي التي تكتب التاريخ، وتختار ما يُقال وما يُنسى، فإنها لا تحتاج إلى إقناع الناس بكل شيء؛ يكفي أن تعلمهم كيف يشعرون.

الدين هنا ليس المشكلة.

المشكلة تبدأ عندما يُنتزع الدين من مجاله الروحي والأخلاقي، ويُزج به في ماكينة التعبئة السياسية، فيتحول المقدس إلى درع للسلطة، والعاطفة إلى سلاح، والهوية إلى قفص.

تُستثار المشاعر، تُرفع رايات الوطن، تُستحضر الجراح القديمة، ثم يُقال للجماهير: اصطفوا.

ولا أحد يسأل: خلف من؟

تلك هي براعة البروباغندا؛ فهي لا تطلب منك أن تفكر أقل فحسب، بل تقنعك بأن التفكير نفسه خيانة تجعل السؤال جريمة، والشك ضعفًا، والنقد تآمرًا، وتمنح السلطة حصانة أخلاقية لا تستحقها.

وفي هذه اللحظة تحديدًا يصبح المجتمع قابلًا للتوجيه.

يكفي أن يُقال له إن هناك عدوًا على الحدود، أو مؤامرة في الخارج، أو جارًا يتربص به، حتى تُغلق الملفات الداخلية وتُدفن الأسئلة الثقيلة تحت ضجيج الوطنية.

الفقر يصبح تفصيلاً، والفشل الاقتصادي يصبح مؤامرة، وانسداد الأفق يصبح قضية أمن قومي، بينما يُطلب من المواطن أن يثبت وطنيته عبر كراهية من اختارت له السلطة أن يكرهه.

ومن هنا يأتي التعامل الشرس مع المغرب.

ليس لأن الشعوب تستيقظ كل صباح حاملة كراهية فطرية لجيرانها، وإنما لأن صناعة العدو وظيفة سياسية قديمة قدم السلطة نفسها.

وحين يكون النظام عاجزًا عن صناعة مستقبل مقنع، فإنه يستطيع بسهولة أكبر صناعة ماضٍ مخيف.

وحين يعجز عن تقديم إجابات مقنعة عن الحاضر، فإنه يبحث عن خصم يحمّله مسؤولية كل شيء.

وهكذا يتحول المغرب من دولةٍ وجارٍ إلى «قضية»، ومن الجار إلى صورةٍ مشوهة، ومن الخلاف السياسي إلى شحنة عاطفية تُحقن في الوعي العام باستمرار.

والأكثر مأساوية أن المواطن قد لا يدرك أنه أصبح جزءًا من اللعبة.

يعتقد أنه يدافع عن وطنه، بينما قد يكون في الحقيقة يدافع عن رواية السلطة عن وطنه.

يظن أنه يحمي هويته، بينما قد يكون يحرس الحدود التي رسمتها البروباغندا داخل عقله يعتقد أنه يكره الآخر دفاعًا عن ذاته، بينما يكون قد تعلّم الكراهية قبل أن يتعلم السؤال.

وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية والفلسفية الكبرى: هل يستطيع الإنسان أن يميز بين ما يؤمن به حقًا، وما زُرع فيه حتى أصبح يظنه جزءًا من ذاته؟

الشعوب ليست آلات، لكنها تصبح كذلك عندما يُصادر عقلها باسم المقدس، ويُختزل وعيها في شعار، وتُختزل الوطنية في الطاعة، ويُختزل التاريخ في رواية واحدة لا يجوز لمسها.

لقد ورثت المنطقة استعمارًا ترك ندوبه، ثم ورثت أنظمةً وجدت في تلك الندوب مادةً مثالية لإعادة إنتاج نفسها. وكلما احتاجت السلطة إلى مزيد من الشرعية، أعادت فتح الجرح. وكلما احتاجت إلى توحيد الصفوف، اخترعت صفًا آخر في الجهة المقابلة.

وهكذا لا يعود العدو مجرد دولة خارج الحدود؛ يصبح العدو فكرةً تسكن الرأس.

وما أخطر أن يصل الأمر إلى هذه المرحلة: أن تنجح السلطة في جعل المواطن يحمل داخل وعيه السلاح الذي تحتاجه، وأن يدافع بنفسه عن السجن الفكري الذي أُغلق عليه.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين شعبين، ولا بين مغربي وجزائري. المعركة الأعمق هي بين الوعي والتلقين، بين السؤال واليقين المصنوع، بين الإنسان الذي يفكر والإنسان الذي يُفكَّر عنه.

فالشعوب لا تُستعبد فقط حين تُقيَّد أيديها؛ أحيانًا تُستعبد حين تُقيَّد قدرتها على الشك.

ويبقى السؤال الذي لا تستطيع أي بروباغندا أن تجيب عنه:

إذا كان من يحكمك قد علّمك من تحب، ومن تكره، ومَن تخاف، وما الذي يجب أن تؤمن به… فكيف ستعرف، ذات يوم، أن الصوت الذي تسمعه في داخلك هو صوتك أنت، وليس صوت السلطة وقد أتقنت الاختباء في أعماقك؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*