سجناء التأويل
قراءة في أزمة المعنى وإنتاج الواقع السياسي والاجتماعي في المغرب.
بقلم: نادية واكرار
لا يعيش الإنسان داخل الواقع كما هو، وإنما داخل الصورة التي يكونها عنه، وهذه الحقيقة التي تبدو في ظاهرها مسألة نفسية أو معرفية، سرعان ما تكشف عن أبعادها الفلسفية والاجتماعية والسياسية حين ندرك أن علاقتنا بالعالم لا تتحدد بما يحدث فحسب، وإنما بما نمنحه لما يحدث من معنى.
فالواقعة، مهما بدت واضحة في ذاتها، لا تصل إلى الوعي الإنساني في صورتها الخام؛ إنها تمر عبر الذاكرة والخبرة والمصلحة واللغة والتوقعات والقيم، ثم تستقر في الوعي باعتبارها حقيقة مكتملة، مع أنها في كثير من الأحيان ليست سوى قراءة معينة لها.
ومن هنا فإن التأويل ليس نشاطًا ذهنيًا هامشيًا، بل هو أحد الشروط الأساسية التي يصنع الإنسان من خلالها علاقته بالعالم وبذاته وبالآخرين. غير أن المشكلة تبدأ عندما ينسى الإنسان أن ما يراه ليس الواقع كله، وإنما واقعًا كما ظهر له، فيتحول التأويل من أداة للفهم إلى سلطة على الحقيقة، ومن احتمال قابل للمراجعة إلى يقين مغلق يرفض الاعتراف بإمكان الخطأ.
وهذه الآلية التي تعمل داخل الوعي الفردي لا تتوقف عند حدود الإنسان، بل تنتقل بصورة أكثر تعقيدًا إلى المجتمع والدولة والسياسة.
فالجماعات البشرية لا تتعامل مع الوقائع التاريخية والاجتماعية كما هي فقط، وإنما تنتج حولها روايات تمنحها معنى وتحدد موقعها من الماضي والحاضر والمستقبل.
ومن خلال هذه الروايات تتشكل الذاكرة الجماعية، وتُبنى صور الوطن، وتُعرّف مفاهيم النجاح والفشل والاستقرار والعدالة والإصلاح، بل تُحدد أحيانًا صورة الآخر وموقعه داخل المجال العام.
ولهذا فإن السياسة لا يمكن اختزالها في إدارة المؤسسات أو توزيع الموارد أو التنافس على السلطة؛ إنها، في مستوى أعمق، صراع حول إنتاج المعنى وتحديد الطريقة التي ينبغي أن يُقرأ بها الواقع.
ومن يمتلك القدرة على التأثير في معنى الأحداث يمتلك، بدرجة ما، قدرة على التأثير في السلوك السياسي والاجتماعي الذي ينتج عنها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم السياسة باعتبارها مجالًا للتأويل بقدر ما هي مجال للقرار. فالحدث السياسي لا يمتلك معنى واحدًا ونهائيًا بمجرد وقوعه، وإنما يدخل فورًا في شبكة من القراءات المتنافسة.
القرار الحكومي يمكن أن يُقرأ باعتباره إصلاحًا، ويمكن أن يُقرأ باعتباره استجابة متأخرة، ويمكن أن يُفهم باعتباره تحولًا بنيويًا، أو باعتباره إجراءً محدود الأثر؛ والمشروع التنموي يمكن أن يُنظر إليه بوصفه دليلًا على قدرة الدولة على الإنجاز، كما يمكن أن يُقرأ من زاوية أخرى باعتباره تحولًا لم تصل ثماره بالقدر نفسه إلى جميع الفئات والمناطق؛ والاستقرار يمكن أن يُفهم بوصفه شرطًا ضروريًا للتنمية والاستثمار، كما يمكن أن يُقرأ من زاوية الحاجة إلى توسيع المشاركة والمساءلة.
لا تكمن المشكلة في وجود هذه القراءات المتعددة، فهي طبيعية في المجتمعات الحية، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها أحد التأويلات إلى حقيقة مطلقة، ويصبح الدفاع عنه أهم من اختبار مدى مطابقته للواقع.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية التأويل في فهم التجربة السياسية المغربية.
فالمغرب، خلال العقود الأخيرة، عرف تحولات عميقة ومتعددة المستويات، شملت البنية التحتية، والاقتصاد، والدبلوماسية، والمؤسسات، والسياسات الاجتماعية، وإعادة صياغة عدد من الاختيارات الاستراتيجية للدولة. وفي الوقت نفسه، ظلت أسئلة أخرى قائمة حول العدالة الاجتماعية والمجالية، وتكافؤ الفرص، وجودة الخدمات العمومية، والثقة في المؤسسات، وقدرة السياسات العمومية على تحويل التحولات الكبرى إلى أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطن.
ولا يمكن فهم هذا التداخل باعتباره تناقضًا يستوجب إلغاء إحدى الصورتين؛ فوجود إنجازات حقيقية لا يلغي وجود اختلالات حقيقية، كما أن وجود اختلالات لا يلغي التحولات التي تحققت. إن الاختزال هو الذي يصبح مشكلة عندما يحول الواقع المركب إلى رواية أحادية، لأن الدولة التي لا ترى في تجربتها إلا النجاح قد تفقد القدرة على رؤية مواطن القصور، كما أن الخطاب النقدي الذي لا يرى إلا الفشل قد يفقد بدوره القدرة على قراءة التحولات الموضوعية التي حدثت بالفعل.
وفي هذا المستوى يصبح الفرق بين الواقع وتجربة الواقع أكثر أهمية من مجرد الفرق بين الحقيقة والرأي.
فالمواطن لا يتعامل مع الدولة من خلال المؤشرات الكلية وحدها، وإنما من خلال تجربته اليومية مع المدرسة والمستشفى والإدارة وسوق الشغل والنقل والسكن والعدالة والفرص، ولذلك قد توجد مؤشرات إيجابية على المستوى الوطني في الوقت الذي يستمر فيه الإحساس بالهشاشة أو الإقصاء لدى فئات معينة.
وليس في ذلك بالضرورة تناقض منطقي؛ لأن التنمية ليست رقمًا واحدًا، والعدالة لا تُقاس فقط بمعدلات النمو، والثقة لا تُنتج آليًا بواسطة المشاريع.
إن المواطن لا يحتاج فقط إلى أن يعرف أن هناك تقدمًا، بل يحتاج إلى أن يشعر بأنه جزء من هذا التقدم وأن موقعه داخل المستقبل ليس هامشيًا.
ولهذا فإن الفجوة بين ما تقوله المؤشرات وما يعيشه الأفراد قد تتحول إلى فجوة في المعنى قبل أن تتحول إلى أزمة في الأرقام.
ومن هنا تكتسب الثقة السياسية بعدها التأويلي.
فالثقة ليست مجرد نتيجة لوجود مؤسسات، وإنما هي أيضًا نتيجة للتطابق النسبي بين ما تقوله المؤسسات عن نفسها وما يختبره المواطن في حياته اليومية.
وكلما اتسعت المسافة بين الخطاب والتجربة، أصبحت عملية التأويل أكثر حضورًا، وبدأت الروايات البديلة في ملء الفراغ الذي يتركه غياب الفهم المشترك.
وعندما لا يجد المواطن تفسيرًا مقنعًا للتفاوت بين ما يسمعه وما يعيشه، فإنه ينتج تفسيره الخاص، وقد يكون هذا التفسير عقلانيًا، وقد يكون انفعاليًا، وقد يكون ناقصًا، لكنه يصبح مع الوقت إطارًا لفهم الدولة والمجتمع والسياسة. وفي المقابل، عندما لا تستطيع المؤسسات قراءة أسباب الغضب الاجتماعي إلا باعتبارها سوء فهم أو تأثيرًا خارجيًا أو موقفًا عدائيًا، فإنها تفقد فرصة مهمة لتحويل هذا الغضب إلى معرفة سياسية واجتماعية تساعد على تصحيح السياسات. وهنا لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في المواقف، وإنما يصبح اختلافًا في تعريف الواقع نفسه.
وهذا ما يجعل العلاقة بين الدولة والمجتمع أكثر تعقيدًا من مجرد علاقة بين سلطة ومواطنين.
إنها علاقة بين روايتين أيضًا؛ رواية تنتجها المؤسسات حول ما تحقق وما ينبغي أن يتحقق، وروايات متعددة ينتجها المواطنون انطلاقًا من تجاربهم وانتظاراتهم وذاكرتهم وموقعهم الاجتماعي والمجالي.
وبين الروايات المختلفة تنشأ مساحة واسعة يمكن أن تُبنى فيها الثقة أو تتآكل فيها.
ولذلك فإن الدولة الحديثة لا تحتاج فقط إلى القدرة على الإنجاز، وإنما تحتاج كذلك إلى القدرة على تفسير الإنجاز، وإلى الاستعداد لسماع التفسير الذي ينتجه المجتمع حول ما يحدث.
فالسياسة التي لا تصغي إلى كيفية قراءة المواطنين للواقع قد تنجح في تنفيذ القرار لكنها تفشل في إنتاج القبول الاجتماعي به، بينما السياسة التي تفهم التأويلات الاجتماعية تستطيع أن ترى خلف الأرقام مشاعر وتوقعات ومخاوف لا تظهر في التقارير الإحصائية.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم جزء من العلاقة بين الشباب والسياسة والهجرة. فالهجرة ليست دائمًا نتيجة مباشرة للفقر أو البطالة، وإن كانت هذه العوامل ذات أهمية حاسمة، وإنما قد تكون في بعض الحالات نتيجة لأزمة أعمق تتعلق بالقدرة على تخيل المستقبل. فالإنسان لا يهاجر فقط عندما يصبح الحاضر صعبًا، وإنما قد يهاجر عندما يصبح المستقبل في مكان آخر أكثر قابلية للتخيل من المستقبل في المكان الذي يعيش فيه. وعندما يفقد الشاب القدرة على رؤية نفسه داخل المسار الجماعي لمجتمعه، فإن المسألة تتجاوز الدخل والوظيفة لتصبح مسألة اعتراف ومشاركة وأفق. ولهذا فإن مواجهة الهجرة لا يمكن أن تُختزل في الإجراءات الاقتصادية أو الأمنية، وإنما تتطلب أيضًا بناء بيئة يستطيع فيها الشباب أن يصدقوا أن المستقبل ليس شيئًا يُصنع بعيدًا عنهم، وأن لهم مكانًا حقيقيًا في صناعته.
وتزداد أهمية هذه المسألة في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من صناعة الوعي السياسي. فقد لم يعد المواطن يستقبل الواقع من خلال المؤسسات التقليدية وحدها، بل أصبح يعيش داخل فضاء كثيف من الصور والمعلومات والتعليقات والتفسيرات والخوارزميات التي تعيد ترتيب العالم وفق أنماط محددة من الاهتمام والتفاعل.
وفي هذا الفضاء لا تنتشر الحقيقة بالضرورة لأنها أكثر دقة، وإنما قد تنتشر الرواية لأنها أكثر إثارة، ولا تصبح القصة أكثر حضورًا لأنها أكثر قربًا من الواقع، وإنما لأنها أكثر قدرة على جذب الانتباه.
وهكذا أصبح إنتاج المعنى عملية تنافسية، وأصبحت السياسة لا تُمارس فقط داخل المؤسسات، بل داخل المخيلة الجماعية التي تصنعها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
والخطر هنا لا يكمن في تعدد الأصوات، بل في تحول المجتمع إلى جزر تأويلية مغلقة، يرى كل منها جزءًا من الواقع ثم يتعامل معه باعتباره الواقع كله.
وفي هذه البيئة، يصبح السياسي أمام تحدٍ يتجاوز الخطاب التقليدي.
لم يعد يكفي أن يعلن عن الإنجاز، لأن المواطن سيقارن الإعلان بتجربته، وسيقارنه أيضًا بعشرات الروايات الأخرى التي تصله في اللحظة نفسها.
كما لم يعد كافيًا للمعارضة أن تشير إلى الاختلالات، لأن المجتمع أصبح قادرًا على التحقق والمقارنة والمناقشة، وأصبح مطالبًا بدوره بتمييز النقد المبني على الوقائع من النقد الذي يتحول إلى خطاب دائم عن الفشل.
وهنا تظهر الحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، لا تقوم على احتكار الحقيقة من أي طرف، بل على الاعتراف بأن الواقع أكثر تعقيدًا من أن تختصره رواية واحدة.
إن إحدى مشكلات المجال السياسي المغربي، كما في مجتمعات أخرى، تكمن في ميل الخطاب العام إلى الاختزال. فهناك ميل إلى تقديم الدولة من خلال صورة واحدة، والمواطن من خلال صورة واحدة، والمعارضة من خلال صورة واحدة، والإنجاز من خلال صورة واحدة، والفشل من خلال صورة واحدة.
وكلما ازداد الاختزال، تقلصت القدرة على فهم الواقع. فالسياسة ليست حكاية أخلاقية بسيطة تتوزع فيها الأدوار بين الخير والشر، وإنما مجال إنساني شديد التعقيد، تتداخل فيه النوايا والمصالح والقدرات والقيود والأخطاء والنجاحات.
ولذلك فإن النضج السياسي لا يبدأ عندما نصل إلى اتفاق كامل حول الواقع، وإنما عندما نمتلك القدرة على الاعتراف بتعدده.
وهنا تصبح وظيفة النخب الفكرية والإعلامية والثقافية أكثر حساسية. فالنخبة لا ينبغي أن تتحول إلى جهاز لتبرير السلطة، كما لا ينبغي أن تتحول إلى جهاز لإنتاج السخط. وظيفتها الأساسية هي حماية المجال العام من الاختزال، وإعادة النقاش إلى الوقائع، والتمييز بين الحدث وتأويله، وبين النقد والحكم النهائي، وبين الإنجاز والدعاية، وبين الإخفاق والكارثة.
إنها مطالبة بأن تمارس نوعًا من الاستقلال الفكري الذي يجعلها قادرة على الاعتراف بما تحقق، وعلى مساءلة ما لم يتحقق، دون أن ترى في الموقفين تناقضًا. فالمجتمع الذي لا يستطيع أن يقول إن شيئًا جيدًا قد تحقق وإن شيئًا آخر يحتاج إلى إصلاح، هو مجتمع فقد القدرة على التفكير المركب.
ومن هنا فإن النقد نفسه يحتاج إلى تحريره من أسر التأويل. فالنقد الذي يبدأ من نتيجة مسبقة ثم يبحث عن الوقائع التي تؤكدها لا يختلف كثيرًا عن الدعاية التي يدافع عنها؛ كلاهما يستخدم الواقع لخدمة الرواية بدل أن يستخدم الرواية لفهم الواقع.
والنقد الحقيقي يبدأ من الاستعداد لتعديل الموقف عندما تتغير المعطيات، كما أن الخطاب الرسمي الناضج هو الذي يستطيع تعديل روايته عندما تكشف التجربة الاجتماعية أن جزءًا منها لم يعد كافيًا لتفسير الواقع.
إن المراجعة ليست اعترافًا بالهزيمة، وإنما هي شرط من شروط العقلانية السياسية.
ولذلك فإن الدولة التي تمتلك القدرة على مراجعة نفسها لا تفقد هيبتها، وإنما تعزز شرعيتها؛ والمجتمع الذي يستطيع مراجعة تصوراته لا يفقد هويته، وإنما يحميها من الجمود؛ والمواطن الذي يستطيع تغيير رأيه عندما يكتشف خطأه لا يفقد كرامته، وإنما يمارس إحدى أكثر صور الحرية نضجًا. فالمشكلة ليست أن نملك تأويلات مختلفة، بل أن نتحول إلى سجناء لها.
إن النهضة المغربية، إذا أردنا أن ننظر إليها من هذا المنظور، لا يمكن أن تكون مجرد مشروع لتغيير البنى المادية، مهما كانت أهميتها، وإنما ينبغي أن تكون أيضًا مشروعًا لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والواقع، وبين المواطن والمؤسسة، وبين الدولة والمجتمع، وبين الذاكرة والمستقبل.
إنها تحتاج إلى بناء ثقة لا تقوم على التطمين وحده، وإنما على القدرة على إنتاج واقع يجعل الثقة ممكنة، وعلى خطاب لا يطلب من المواطن أن يصدق ما لا يستطيع أن يراه، كما تحتاج إلى مواطن لا يحكم على الواقع كله من خلال تجربة واحدة أو خيبة واحدة أو رواية واحدة.
إن النهضة تبدأ حين يصبح المجتمع قادرًا على النظر إلى نفسه دون خوف من صورته.
أن يرى نجاحاته دون أن يحولها إلى أسطورة، وأن يرى إخفاقاته دون أن يحولها إلى قدر، وأن يعترف بتعقيد واقعه دون أن يشعر بالحاجة إلى تبسيطه.
وفي هذا المعنى، فإن المسألة ليست سياسية فقط، وإنما حضارية؛ لأن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي لا تخطئ، وإنما تلك التي تمتلك مؤسسات ووعيًا وثقافة تسمح لها باكتشاف أخطائها قبل أن تتحول إلى يقينيات.
وربما يكون الخطر الأكبر على أي مشروع وطني ليس الفشل في حد ذاته، لأن الفشل قابل للمراجعة والتصحيح، وإنما أن تصبح الرواية أقوى من الواقع، وأن يتحول الدفاع عن الصورة إلى بديل عن تحسين الحقيقة التي يفترض أن تعكسها. حين يحدث ذلك، يصبح الجميع أسرى التأويل: الدولة أسيرة للصورة التي صنعتها عن إنجازاتها، والمعارضة أسيرة للصورة التي صنعتها عن إخفاقات الدولة، والمواطن أسيرًا للصورة التي صنعتها تجربته اليومية عن الوطن، والإعلام أسيرًا لما يفرضه منطق الانتباه، والنخب أسيرة للمواقع التي اختارت أن تتحدث منها.
وفي هذه اللحظة يصبح التحرر من التأويل ليس رفضًا للتفسير، وإنما رفضًا لتحويل التفسير إلى سجن.
فلا يمكن للإنسان أن يعيش دون أن يؤول، ولا يمكن للمجتمع أن يفهم ذاته دون أن ينتج سرديات، ولا يمكن للسياسة أن تعمل دون خطاب ومعنى؛ لكن ما يمكن فعله هو أن نحتفظ دائمًا بالمسافة الضرورية بين الرواية والواقع، بين ما نعتقد أنه حدث وما حدث فعلًا، بين ما نريد أن يكون عليه الوطن وما هو عليه، وبين ما نعلنه عن المستقبل وما يستطيع المواطن أن يراه فيه.
إن السياسة الأكثر نضجًا ليست تلك التي تنتصر فيها رواية على أخرى، وإنما تلك التي يصبح فيها الاختلاف بين الروايات وسيلة لاكتشاف الواقع بدل أن يتحول إلى حرب حول امتلاك الحقيقة.
وعندما يصبح النقد ممكنًا دون عداء، والاعتراف بالإنجاز ممكنًا دون تقديس، والمراجعة ممكنة دون خوف، والاختلاف ممكنًا دون قطيعة، فإن السياسة تستعيد وظيفتها الأصلية: أن تكون وسيلة لتنظيم الاختلاف البشري وصناعة الممكن المشترك.
ففي نهاية المطاف، لا تحتاج الأوطان إلى أن تتفق حول كل شيء، وإنما تحتاج إلى أن تتفق على حق الجميع في أن يختلفوا حول معنى الأشياء دون أن يفقدوا انتماءهم إلى المجال المشترك. والمغرب، بما يحمله من تاريخ وتعدد وتحولات وتناقضات وطموحات، ليس بحاجة إلى رواية واحدة عن ذاته، بقدر حاجته إلى ثقافة قادرة على استيعاب تعدد الروايات دون أن تفقد صلتها بالوقائع.
فالوطن أكبر من الحكومة، وأكبر من المعارضة، وأكبر من اللحظة السياسية، وأكبر من الصورة التي ينتجها الإعلام أو الفضاء الرقمي عنه؛ إنه مشروع تاريخي مفتوح، لا يكتمل في رواية واحدة ولا يحتمل أن يُختزل في حكم نهائي.
ولعل الحرية، في معناها السياسي والفلسفي الأعمق، تبدأ حين نمتلك شجاعة مراجعة الصورة التي نحملها عن أنفسنا وعن الآخرين وعن الدولة وعن الوطن.
فالذي يرفض مراجعة تأويله قد يظل أسيرًا له حتى عندما يتغير الواقع من حوله، والمجتمع الذي يرفض مراجعة روايته قد يجد نفسه يعيش في حاضر تحكمه ذاكرة لم تعد قادرة على تفسيره، والدولة التي ترفض مراجعة خطابها قد تكتشف، في لحظة ما، أن المسافة بينها وبين المجتمع لم تعد مسافة في الواقع فقط، وإنما مسافة في المعنى.
لهذا فإن السؤال الحقيقي للنهضة ليس فقط: ماذا سنبني؟ وإنما أيضًا: كيف سنرى ما نبنيه؟ وكيف سيشعر الإنسان بمكانه داخله؟ وكيف سنسمح للواقع بأن يصحح رواياتنا، بدل أن نجبر الواقع على الانحناء أمام رواياتنا؟
عند هذه النقطة تحديدًا يتحول التأويل من سجن إلى معرفة، ومن أداة لإغلاق الحقيقة إلى وسيلة للاقتراب منها. فالحقيقة لا تحتاج إلى أن تُحمى من السؤال، لأنها لا تخشى المراجعة؛ أما التأويل الذي يحتاج إلى الصمت كي يستمر، وإلى إلغاء الآخر كي يثبت نفسه، وإلى تجاهل الوقائع كي يحافظ على تماسكه، فإنه لم يعد تأويلًا يبحث عن الحقيقة، بل أصبح نظامًا مغلقًا للدفاع عن الذات.
وربما تكون النهضة، في جوهرها، هي لحظة خروج جماعي من هذا النظام المغلق: لحظة يصبح فيها الإنسان قادرًا على أن يرى نفسه خارج الرواية التي اعتادها، ويصبح فيها المجتمع قادرًا على إعادة قراءة تاريخه دون أن يفقد ذاكرته، وتصبح فيها الدولة قادرة على مراجعة مساراتها دون أن تعتبر المراجعة تهديدًا لشرعيتها.
عندها فقط يمكن للسياسة أن تنتقل من إدارة الروايات إلى صناعة الواقع، ومن الدفاع عن الصور إلى بناء الثقة، ومن الصراع حول من يملك الحقيقة إلى البحث المشترك عما يجعل الحقيقة قابلة للرؤية والاختبار.
لأن أخطر السجون ليست تلك التي تُغلق أبوابها على الجسد، وإنما تلك التي تجعل العقل عاجزًا عن تصور باب آخر. وقد يكون أول باب للحرية هو أن نعترف بأن ما نراه ليس العالم كله، وأن ما نعتقده ليس الحقيقة كلها، وأن ما نرويه عن أنفسنا وعن وطننا ليس سوى محاولة لفهم واقع أكبر من كل رواية.
ومن هذه المسافة، بين الحقيقة وتأويلها، بين الواقع وصورته، وبين الوطن كما هو والوطن كما نطمح إليه، يبدأ الوعي السياسي الحقيقي؛ ويبدأ معه، ربما، المعنى الأكثر عمقًا للنهضة.
