المغرب وإسبانيا… وماو تسي تونغ

أتاي الأحد
المغرب وإسبانيا… وماو تسي تونغ

كتبها: عبد الرفيع حمضي 

تنسب إلى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ حكاية تقول إنه، بعد عاصفة قوية، مر بغابة، فتوقف أمام مشهد لافت. أشجار البلوطchêne الكبيرة، بجذوعها الصلبة وأغصانها الضخمة، اقتلعتها الرياح أو كسرتها، بينما ظلت شجيرات القصب واقفة في أماكنها.
لم تكن أقوى من البلوط، ولا أعمق جذورا منه.

كل ما فعلته أنها، عندما جاءت العاصفة، مالت معها يمينا وشمالا، وتركت الريح تمر، ثم عادت إلى وضعها.
تذكرت هذه الحكاية وأنا أتابع ما يجري منذ 30 يوليوز في العلاقات المغربية الإسبانية.
كانت عملية التدفق الجماعي نحو سبتة المحتلة حدثا استثنائيا، إنسانيا وأمنيا.

وما إن مرت الساعات الأولى حتى تجاوز النقاش مسألة الهجرة والحدود، وانتقل إلى قلب السياسة الإسبانية، ودخل البرلمان والإعلام، واستدعى معه ملفات التاريخ والجغرافيا والسيادة والعلاقة مع المغرب.
وبعد أكثر من شهر، لم تهدأ العاصفة تماما.

تحول المغرب إلى موضوع في الصراع السياسي الإسباني، ووجدت المعارضة في الأزمة فرصة لإعادة فتح ملفات ظلت كامنة تحت سطح العلاقات بين البلدين.
وسط كل ذلك، يبدو الهدوء المغربي لافتا.
لكن الصمت في العلاقات الدولية ليس دائما عجزا عن الرد. ففي حساب الدول، كما في لعبة الشطرنج، ليست قيمة الحركة في سرعتها، وإنما في موقعها وما تفتحه أو تغلقه من حركات لاحقة.
المغرب وإسبانيا بلدان حكمت الجغرافيا عليهما بالجوار قبل أن تختار السياسة شكل هذا الجوار. بينهما أربعة عشر كيلومترا في أضيق نقطة من المضيق، لكن بينهما أيضا قرون من التاريخ، ومصالح اقتصادية وتجارية وأمنية، وهجرة واستثمارات وتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
والمضيق ليس مجرد ماء يفصل ضفتين.

إنه ممر استراتيجي يربط المتوسط بالأطلسي، ويجعل العلاقة بين الرباط ومدريد جزءا من توازن أوسع يمتد إلى أوروبا وإفريقيا.
لهذا لا تقاس العلاقات المغربية الإسبانية بلحظة توتر.

فقبل أقل من سنة، احتضنت مدريد الاجتماع الرفيع المستوى الثالث عشر ووقع على أربعة عشر اتفاقا للتعاون، وإسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب منذ سنوات.

لقد أصبحت المصالح متشابكة إلى درجة تجعل إدارة الخلاف أكثر عقلانية من تحويله إلى مواجهة.
وفي قلب هذا التاريخ توجد سبتة ومليلية المحتلتان.
الموقف المغربي منهما ليس وليد التصريح الأخير للوزير أحمد التوفيق، ولا اكتشافا إسبانيا جديدا.

المغرب ظل يعتبر استكمال وحدته الترابية مسارا تاريخيا لم ينته.

وظلت سبتة ومليلية حاضرتين في الوعي السياسي والوطني المغربي.
والإسبان يعرفون ذلك.
لكن نضج الدول يقاس أيضا بقدرتها على حمل الخلافات الكبرى دون أن تجعلها تعطل إدارة المصالح المشتركة. فالتاريخ لا يمحى، لكن الجغرافيا بدورها لا ترحل.
وهنا يصبح الزمن عنصرا من عناصر القوة.
فالمغرب ليس دولة صنعتها ترتيبات ما بعد الحرب، ولا كيانا رسمت حدوده مكاتب القوى الكبرى.

وراءه قرون من الدولة والاستمرارية السياسية. تغيرت حوله إمبراطوريات، وتعاقبت قوى استعمارية، وتبدلت خرائط وتحالفات، وظلت الدولة المغربية قائمة.
والدول التي تمتلك هذا العمق لا تضبط ساعتها على إيقاع نشرات الأخبار.
لذلك ربما لا يحتاج المغرب إلى الرد على كل عنوان في صحيفة إسبانية، ولا إلى ملاحقة كل تصريح سياسي. فالدولة الواثقة من موقعها لا تسمح للآخرين بأن يحددوا لها توقيت كلامها وصمتها.
إنها، بلغة العلاقات الدولية، إدارة للزمن الاستراتيجي: القدرة على التمييز بين العابر والبنيوي، وبين ضجيج السياسة الداخلية والتحول الحقيقي في موازين القوى.
وهذا ربما ما ينبغي قراءته في الهدوء المغربي اليوم: ليس تجاهلا لما يقال، وإنما إدراك بأن بعض الأزمات يكون أفضل جواب عنها ألا نسمح لها بأن تصبح أكبر من حجمها.
وهنا تعود حكاية ماو تسي تونغ
في السياسة، ليست كل مواجهة شجاعة.

فالدول العريقة لا تقاس قوتها بعلو صوتها عند كل أزمة، وإنما بقدرتها على تقدير اللحظة، وحماية مصالحها، واختيار زمنها.
وبين ما يقال وما لا يقال… قد تمر العاصفة، وقد تهدأ الريح، لكن الجغرافيا تبقى، والتاريخ لا ينسى، والدول التي تعرف أين تمتد جذورها تعرف أيضا متى تميل… ومتى تقف.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*