عدلاوة يريدونها قوْمة وعصيانا وزحْفا.
كتبها: سعيد الكحل.
كعادتها عند كل استحقاق انتخابي، أصدرت جماعة العدل والإحسان بيانا يكرس مقاطعتها للانتخابات ويدعو إليها. وموقف المقاطعة ليس طارئا ولا ظرفيا، بل هو عقيدة ثابتة صاغها المرشد عبد السلام ياسين وحدد أسسها المذهبية والسياسية في كتاب “المنهاج النبوي” الذي هو دستور الجماعة لا تحيد عنه ولا تزيغ. لهذا ظل موقفها ثابتا من الانتخابات في حياة الشيخ وبعد وفاته، ولا يمكنها مراجعته أو تطويره كما فعلت تنظيمات إسلاموية، سواء في المغرب (حركة التوحيد والإصلاح، حزب العدالة والتنمية) أو في غيره من الدول (تونس، مصر، الأردن، الجزائر..).
القوْمة لا المشاركة.
إن العقيدة الإيديولوجية والمذهبية التي تأسست عليها الجماعة تقوم على معاداة النظام الملكي مهما كان شكله (تنفيذيا، برلمانيا، دستوريا).
فعقيدة الجماعة تعتبر كل نظام ملكي وراثي عاضّا وجبْريا وجب إسقاطه لإقامة “نظام الخلافة على منهاج النبوة”؛ بل إنها تؤمن بأن زواله “وعْد إلهي” ومسألة وقت فقط. ومن ثم تبنت الجماعة أسلوب “القوْمة” كخيار وحيد لمواجهة النظام. وهذا الخيار يتنافى مع أسلوب المشاركة السياسية عبر الانتخابات أو الاستفتاء.
والقومة أسلوب تترجمه الجماعة عبر خطوات محددة سلفا، وفي مقدمتها “المقاطعة” بشتى صورها، وعلى رأسها: مقاطعة النظام، وتقتضي:
1 ـ المقاطعة السياسية وذلك بعدم الانخراط في مؤسساته الرسمية/الدستورية (المجالس المنتخبة، البرلمان، الحكومة، الهيئات والمجالس الوظيفية التي يتم تشكيلها وفق الدستور). والغاية من المقاطعة هي “عزل النظام” عن الشعب لضرب شرعيته التاريخية والدينية والدستورية والشعبية والاجتماعية.
لهذا نجد الجماعة، في كل بلاغات/بيانات المقاطعة تحرض الناخبين على عدم المشاركة في الانتخابات بكل أشكالها ومستوياتها.
2 ـ المقاطعة المدنية عبر عصيان مدني وذلك من خلال (مقاطعة الظالمين: لا نُوَاكِلهم ولا نشاربهم ولا نجالسهم. وهذه هي الصيغة المثلى للقومة. فلو قدرنا أن نتجنب استعمال السلاح ضد الأنظمة الفاسدة، ونقاطعها حتى تشل حركتها، ويسقط سلطانها، وترذل كلمتها) (ص 36 رجال القومة والإصلاح).
3 ـ الزحف. ففي حالة فشلت المقاطعة السياسية والمدنية كما تدل على هذا عبارة المرشد (فلو قدرنا أن نتجنب استعمال السلاح ضد الأنظمة الفاسدة) تنتقل الجماعة إلى المرحلة الخطيرة وهي “الزّحْف” واستعمال القوة والسلاح، التي ضمّنها المرشد عبد السلام ياسين عنوان الكتاب/ الدستور “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” كما هو واضح في قول المرشد ومنهاجه (لا تفْن عمرك في التأسف على الثمار السامة، بل اقطع شجرتها يفن معها السم. لا يمكن أن ننتظر من الأفراد، ولا الجمعيات، أن تقوم بواجبها في الأمر والنهي، ولا أن يكون لذلك معنى، ما دام روح المنكر وجسده، وينبوعه، ولحمته وسداه بيننا، ألا وهو الحكم الفاجر الكافر) (ص 394 المنهاج).
الزحف لا المصالحة.
إن أدبيات الجماعة وعقائدها تعتبر الدولة المدنية “دولة السلطان” وهي نقيض “لدولة القرآن”. ومن ثم فالدولة المدنية لا تخدم أهداف الجماعة وعلى رأسها إقامة “نظام الخلافة” الذي يجعل كل السلطات مركزة في يد الخليفة الذي يحدد المرشد صفاته في “المشيخة الربانية” التي تعطيه سلطة مطلقة على الشعب والمؤسسات، وتجعل طاعته شرط طاعة الله ورسوله. فدولة الخلافة عند الجماعة (لن تكون كذلك إلا إن قادها الربانيون أولياء الله) (ص251 الإحسان1)؛ وليس لأي كان أن يكون خليفة/حاكما، بل لا بد أن يكون “شيخا ربانيا”، أي “قائم” يمثل إرادة الله وليس إرادة الشعب (ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق، أولى الأولويات، من وجود قائم، قائم مؤمن بالله وباليوم الآخر، عالم بما فرض الله عليه.. منبعث للتنفيذ مخلص صادق، منتظم في جماعة المؤمنين) (ص 346 العدل). ومن ثم فالجماعة لها مشروعها السياسي الذي يناقض كل المشاريع السياسية لبقية الأحزاب، وهي على استعداد وإصرار للقتال من أجله (نبرز بمشروعنا، ونعلنه، ونحارب دونه بأساليب السياسة ما انفتح لنا فجوة، وبكل الأساليب إن اضطهدنا) (ص 27 المنهاج)، حتى وإن اقتضى الأمر كما يقول المرشد (مقاومة الظلم حتى الموت ولو نشرا بالمناشير).
إذن، هل يستقيم أن ننتظر من جماعة تجعل من المقاطعة ومن القومة والزحف والعنف أسلوبا وعقيدة أن تشارك في الانتخابات وتنخرط في المؤسسات الدستورية؟
إن الجماعة قطعت الشك باليقين منذ أربعة عقود لما اعتبرت أن أي مشاركة في الانتخابات هي مصالحة مع النظام وترميم لبنيانه الذي تنتظر الجماعة سقوطه (ليكن واضحا أننا لسنا نرمي لترميم صدع الأنظمة المنهارة معنويا، المنتظرة ساعتها ليجرفها الطوفان.. يندك ما كان يظنه الغافلون عن الله الجاهلون بسنته في القرى الظالم أهلها حصونا منيعة وقلاعا حصينة، وتندثر وتغرق) (ص576 العدل)؛ ومن ثم لا مجال للحديث عن المشاركة (ليكن واضحا جليا أننا لا نخطب ودّ الأنظمة الفاسدة الكاذبة الخاطئة. وليكن واضحا أن خطة بعض المترددين من فلول الحركة الإسلامية المتكسرين إلى مصالحة مع المزورين ليست خطتنا) (ص 571 العدل) .
من هنا يمكن التأكيد أن ما تقدمه الجماعة من مسوغات لموقف المقاطعة إنما هي مغالطات يراد منها تسويق الموقف لدى عموم الناخبين بغرض إيهامهم بصوابيته. وكيف للجماعة أن تقنع عموم المواطنين بأن قلب الأنظمة أو الثورة ضده سيقيم العدل والحرية والكرامة ويؤسس “للحكم الرشيد” وهم يشاهدون، يوميا، من جهة، الدمار والخراب والتقتيل في الدول التي عصف بها ما سمي “بالربيع العربي” والذي فشلت الجماعة في الركوب عليه بفعل حكمة جلالة الملك ويقظة المواطنات والمواطنين؛ ومن جهة ثانية، أعضاء الجماعة وعضواتها يتظاهرون بكل حرية ويؤطرون الوقفات الاحتجاجية والمسيرات التضامنية مع غزة، ومن جهة ثالثة تصريحات قيادات الجماعة وحواراتها العلنية بمعاداتها للنظام الملكي وسعيها للانقلاب على حكمه دون أن تطالها أحكام القانون الجاري به العمل. فهل توجد حرية أكثر من هذه التي تسمح لأعضاء الجماعة وحليفها النهج بممارسة أنشطتهم العدائية للنظام علانية بلا خوف ولا رعب؟
أكيد أن ما يتمتع به أتباع الجماعة وقياديوها من حرية التعبير والتنظيم والتأطير والحركة والاحتجاج والتظاهر كفيل بتسفيه ما ورد في بيان المقاطعة من (أن الانتخابات في المغرب، في صيغتها الحالية، لم تستطع أن تنقل المغرب إلى أفق الديمقراطية والحرية والعدل، وظلت تسهم في تجدد وتغول الاستبداد والفساد).

