مشروع قانون المالية 2027: هل يستطيع المغرب أخيراً تسريع وتيرة تقليص الفوارق المجالية؟

 مشروع قانون المالية 2027: هل يستطيع المغرب أخيراً تسريع وتيرة تقليص الفوارق المجالية؟

بقلم: عبد السلام الصديقي

تبلغ الاستثمارات العمومية المعلنة في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2027 حوالي 400 مليار درهم.

وهو مجهود مالي مهم لدعم النمو وتعزيز البنيات التحتية ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

غير أن السؤال الأساسي يظل هو: إلى أي حد تساهم هذه الاستثمارات في تقليص الفوارق المجالية التي لا تزال تطبع واقع بلادنا؟

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة مع الإعلان عن جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بغلاف مالي تقديري يبلغ 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات. وهو طموح يرمي إلى جعل التنمية الترابية رافعة للعدالة الاجتماعية والمجالية، لكن تحقيقه يظل رهيناً بمدى ترجمته إلى اختيارات ميزانياتية وإنجازات ملموسة.

 الاستثمار أكثر، ولكن من أجل أية نتائج؟

انتقل حجم الاستثمار العمومي من 182 مليار درهم سنة 2020 إلى 340 ملياراً سنة 2025، مع توقع بلوغه 400 مليار درهم سنة 2027. غير أن حجم الاعتمادات لا يكفي وحده لقياس الأداء؛ فالمعيار الحقيقي هو مدى نجاعة الاستثمارات وأثرها على التشغيل والدخل والولوج إلى الخدمات العمومية وتحسين ظروف العيش.

ويظل تحسين تنفيذ المشاريع المبرمجة تحدياً أساسياً، في ظل إكراهات إدارية وعقارية، ونقائص الدراسات القبلية، وتعقيد المساطر، ومحدودية قدرات بعض الجهات المكلفة بالإنجاز. كما لا تسمح الوثائق المتاحة باحتساب نسبة إجمالية موحدة لتنفيذ مجموع الاستثمارات العمومية.

فإدراج مشروع في الميزانية لا يعني أنه أصبح تجهيزاً جاهزاً للاستعمال، كما أن إنجاز التجهيز لا يضمن بالضرورة جودة الخدمة أو تحقيق أثر اقتصادي مستدام.

 تفاوتات مجالية تستدعي التدارك

تكشف المعطيات الجهوية عن تفاوتات كبيرة في إنتاج الثروة. ففي سنة 2024، بلغ الناتج الداخلي الإجمالي للفرد 28.692 درهماً بجهة مراكش-آسفي، مقابل 92.904 دراهم بجهة الداخلة-وادي الذهب، فيما بلغ المعدل الوطني 43.891 درهماً. أي إن الفارق بين الجهتين يتجاوز ثلاثة أضعاف.

وينبغي التعامل بحذر مع هذا المؤشر، لأنه يقيس الثروة المنتجة مقارنة بعدد السكان، ولا يعكس بالضرورة الدخل الفعلي للأسر.

كما أن الفوارق لا تقتصر على الجهات، بل توجد أيضاً داخل الجهة الواحدة، حيث تتعايش مناطق دينامية مع أقاليم قروية معزولة ومناطق جبلية تفتقر إلى التجهيزات الأساسية.

لذلك، يتعين أن يشمل التدارك المجالي المستويات الجهوية والإقليمية والمحلية، مع مراعاة خصوصيات كل مجال وحاجياته.

توزيع الاستثمار: اختيارات وأولويات

تقتضي قراءة الاستثمار العمومي التمييز بين ما تموله الميزانية العامة، وما تنجزه المؤسسات والمقاولات العمومية، وما تقوم به الجماعات الترابية. وتقدم الوثائق الميزانياتية معطيات عن مشاريع مختلفة حسب الجهات، لكنها تظل جزئية ولا توفر رؤية موحدة لمجموع الاستثمارات، مما يجعل المقارنة الدقيقة بين المجالات أمراً صعباً.

ولا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية المشاريع الوطنية الكبرى، بل بضمان ألا تطغى اعتبارات التنافسية والمردودية الاقتصادية على حاجيات المجالات الأكثر خصاصاً.

وينبغي أن يأخذ توزيع الاعتمادات بعين الاعتبار مستوى التجهيز والحاجيات الاجتماعية والإمكانات الإنتاجية لكل جهة.

فبعض المناطق تحتاج إلى الماء الصالح للشرب والتطهير والصحة والتعليم، وأخرى إلى فك العزلة وتحسين النقل وتوفير العقار ومناطق الأنشطة الاقتصادية.

وهناك مجالات تتطلب تثمين مؤهلاتها الفلاحية والسياحية والطبيعية.

والمطلوب هو ترتيب الأولويات بناءً على تشخيص ترابي دقيق، والتوفيق بين الاستثمارات الاجتماعية وتلك الموجهة إلى خلق الثروة وفرص الشغل.

 من أجل شفافية ترابية للاستثمار العمومي

من أبرز النقائص التي تكشفها الوثائق الميزانياتية غياب معطيات شاملة ومندمجة حول التوزيع الترابي للاستثمارات العمومية.

وهذه ليست مجرد ثغرة إحصائية، بل قضية تتعلق بالشفافية الميزانياتية وديمقراطية القرار العمومي.

فكيف يمكن للمواطنين والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين مناقشة الاختيارات وتقييم النتائج دون معلومات كاملة ومتاحة وقابلة للمقارنة؟

لذلك، أصبح من الضروري نشر خريطة ترابية موحدة للاستثمارات العمومية، تشمل الميزانية العامة والمؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية، مع التمييز بين المشاريع المبرمجة والاعتمادات الملتزم بها والمبالغ المؤداة والإنجازات الفعلية. ومن شأن ذلك تعزيز الشفافية والمساءلة وتحسين مشاركة المواطنين في القرار العمومي.

برامج التنمية الترابية المندمجة: الطموح رهين بالتنفيذ

يمثل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة تحولاً مهماً نحو تجاوز التدخلات القطاعية المتفرقة واعتماد مقاربة مندمجة تنطلق من الحاجيات المحلية. وتشمل الأولويات إحداث فرص الشغل، وتحسين الخدمات الاجتماعية، والتدبير المستدام للموارد المائية، وتأهيل البنيات التحتية.

كما يرتقب تعزيز الموارد المالية للجهات، من خلال تحويلات من الدولة لا تقل عن 12 مليار درهم سنوياً ابتداءً من سنة 2027.

لكن نجاح هذه البرامج يتوقف على دقة التشخيص وترتيب الأولويات وقدرة الفاعلين على الإنجاز.

كما يقتضي إشراك المواطنين والجمعيات والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين في تحديد الحاجيات واختيار المشاريع وتتبعها وتقييمها، لا الاكتفاء باستشارتهم بعد اتخاذ القرارات.

ومن الضروري أيضاً ترسيخ ثقافة التقييم.

فبناء مستشفى إنجاز، أما تحسين الولوج إلى العلاج وتوفير الأطر والوسائل اللازمة فهو النتيجة المطلوبة.

وبناء طريق إنجاز، أما فك العزلة وتقليص تكاليف النقل وتحفيز النشاط الاقتصادي فهو الأثر المنتظر.

يفتح مشروع قانون المالية لسنة 2027 نقاشاً يتجاوز حجم الاعتمادات المرصودة.

فالمغرب مطالب بمواصلة الاستثمار لتعزيز نموه وتنافسيته، لكنه مطالب أيضاً بتوجيه هذه الاستثمارات نحو الحاجيات الفعلية للسكان، وتحسين تنفيذها وتقييم نتائجها.

إن التحدي لم يعد يقتصر على تعبئة المزيد من الموارد العمومية، بل يتمثل في ضمان مساهمة كل درهم مستثمر في تقليص الفوارق المجالية، وخلق فرص اقتصادية، وتحسين ظروف عيش المواطنين.

وعلى هذا الأساس ينبغي الحكم على الطموح الجديد للتنمية الترابية المندمجة.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*